|
القاهرة 25 نوفمبر 2025 الساعة 01:35 م

قصة: سليمة مليزي – الجزائر
"من غضب منك ولم يفعل فيك شراً، اختره صاحباً لك، فالغضب يفضح طينة البشر".
ـ علي بن أبي طالب ـ
تعانقت أفكارها بجمال الضّباب المتناثر عبر الأفق، وهي تمشي بقوامها الممشوق، تثير هدوء الليل لوحدتها، أخذت من الدروب المظلمة رفيقاً يؤنس وحدتها، لعلّها تجد من يأخذ بيدها نحو برِّ الأمان ، الهروب من شرِّ الزوج كان القرار الوحيد والنهائي من أجل الظفر بالحرية وإنقاذ نفسها من فكرة الانتحار التي راودتها مراراً و تكرارا،لم تُخفها حلكة الليل و ظلامه الدامس، ولا عواء الذئاب من أعلى قمم الجبال الشاهقة، ولا حتى السكون المخيف والصمت المرعب الذي يلفّ المكان ويزيد من رعبه، كانت تمشي وسنو نوات تخط خطاها وكأنّها تريد إخبارها بشيء ما وهي تغطي قطرات الدم التي تنزف من جراحها، لم تشعر بالألم ، وكأنّه يزيح عنها جراح السنين التي طعنت قلبها آلاف المرّات ،وقتل كبريائها , يقول المثل ( جرح الفيسان ولا جرح اللسان ) هكذا اتخذت من الهروب و القطيعة ذرعا حديديا يقيها من الموت البطيء.
كانت حورية الأنثى الأجمل في القرية التي كانت تقطن فيها، و من بين أقوى النساء هناك، لكن قدرها الحزين هو أنّها وُلدت يتيمة الأم ، وزوجتُ أباها جعلتها خادمة لها و لشؤون منزلها، و مع مرور الوقت زوّجها والدُها من رجلٍ جشع لا يعرف لا الرحمة ولا الشفقة ولا الإنسانية، وهذا من أجل المال فقط، زوجها هذا جعلها خادمتهُ المطيعة والواهنة، وذرعاً لنفوذه القذرة، فكلّما ثار غضبهُ بين الحين والآخر يشفي غليله بالضرب المبرّح لها، فقط لعقده النفسية وشكوكه الحيوانية واتهاماته الباطلة لزوجته الشريفة بأنّها بقيت محافظة على ذكرياتها السعيدة مع خطيبها السابق.
حورية التي تحدّت اليتم والظلم وأكملت دراستها بعد هروبها من منزل زوجها والذي تخلى عنها هو الآخر بالمراسلة في منزل والدها خفيةً عنهُ، تتقن فن الكتابة والإبداع، تراسل كمًا من الجرائد وتنشر إبداعاتها باسم مستعار وهو {سيّدة الضّباب}؛ حلمها بأن تصبح صحافية تعمل في الجرائد أو القنوات التلفزيونية، مدركة لإمكانياتها الأدبية والأخلاقية فهي تمتلك ثقافة عالية تؤهلها لخوض تجارب الصحافة وعالمها بتحدّي وعزم وتتذكر وتقول حورية:
كم من مرّة، كسّر لي والدي حاسوبي الذي اشتريته بمالي الخاص، فإلى جانب إتقاني لخبايا الحاسوب، أتقن أيضا فن الحياكة وفن الطرز على القماش، تعلّمت هاتين الحرفتين من جارتنا ربيحة، الله يذكرها بخير، كانت تحبّني وتعطف عليّ ، و كأنّها سندي و مثل الأم الحنونة لي، يذكّرني حنانها و طيبة قلبها بأمي رحمة الله عليها، كانت دائما تقول لي :
" ابنتي حورية أنت فعلا حورية من الجنة، حرمني الله من إنجاب الأولاد وعوضني بوجودك أمامي وكأنّك ابنتي ومن صلبي "، فحبّها ورعايتها لي عوضني قليلا فقدان أمي التي توفيت وهي تلد أخي الأصغر مروان، هذا الصبي الذي كان طموحه يفوق سنّه، هرب هو الآخر من أبي بعد تحصله على شهادة التعليم الثانوي، متوجّها إلى المدينة من أجل إكمال دراسته، هو الآخر هرب من ظلم زوجة أبي والظروف القاهرة التي عشناها سويا في ذلك البيت الذي يشبه القبر الأسود، آ آهٍ يا أخي العزيز،أين أنت؟ وكيف حالك؟ أرجو من الله أن ينصرك على الظلم والظالمين.
أتذكّر يوما أنّني كنت جالسة في باحة الدار تحت شجرة التوت التي تؤنسني ظلالها الوافرة ، كنت أقرأ كتابا أدبيا استعرته من جارنا الأستاذ محمد خفيةً عن والدي، الرواية أخذتني إلى عالم آخر ، عالم ساحر رائع و فسيح عنوان الرواية كان : (ليس لدى الكولونال من يراسله) للروائي الكبير غارسيا غبريال ماركيز، رواية شيقة، فقد أبرحت في أحداثها ولم أنتبه لما يحيط بي، حتى وجدت رأسي يمسح به الأرض، مسكّني أبي من شعري وجرني في الساحة، أكلت التراب، وجسدي خدّشته الأرض حتى النزف:
أيتها الحقيرة ماذا تفعلين بهذا الكتاب ( مَا خَسَكْ غِيرْ القْرَايَا يَا وَجَهْ الشَرْ نُوضِي أَغَسْلِي لَحْوَايَجْ ) نهضت تائهة خطواتي مختلّة غير متوازنة، دموع تنهمر على جفوني، جسدي متشنج يرتعش، في صمت لملمت نفسي والألم يمزقني، اخذ والدي الكتاب ومزقه وتمزق قلبي معه، خطفته من يده و مسكته بقوة ، و أنا أتوسّل إليه:
" أرجوك يا أبي، إنّه للأستاذ محمد لا تمزّقه، هذا الكتاب باهظ الثمن وقيّم".
دفرني حتى سقطت على الأرض:
- اصمتي أيتها الرخيصة الوضيعة ( بَهْدَلْتِينِي مع الجيران ، وَاشْ من قرايَا بْقاتْلَكْ ،لازَمْ نْزَوْجَكْ بَاشْ نَتْهَنِا من شرك ، جَبْتيلِي العار الله لا تْرَبْحَكْ )، سمعته خالتي ربيحة، أتت مسرعة تلهث و تتنفّس بصعوبة شديدة، احتضنتني بين ذراعيها وقالت له: "حرام عليك يا مبروك هذه ابنتك، ويتيمة لماذا تعاملها بهذه القسوة، ماذا فعلت لك ، وَاشْ فيها لَقْرَايَا نْتَاجَاتْهَا رَاهُمْ فِي الجامعة شُوف من حولك، النّاس راَهِي تَطَوَّرْ وأنت مزال تفكيرك تفكير أيَّام الجهل، اخْزِي الشيطان هذِي بنتك من لَحْمَكْ وَدَمَكْ".
أخذتني إلى غرفتي ونزعت عني الغبار وضمدّت جراحي، حنانها محى كلّ القهر و ما تعرّضت له من عنف و شرّ و قهر من أبي.
مرّت السنين و الأعوام وكبرت حورية و أصبحت مثالا يقتدي به في الإصرار على تحقيق الأهداف, فكلّ من والدها و زوجته توفيا جراء حادث سيّر و دهما في طريقهما إلى المستشفى للقيام بالفحوصات الدورية، فزوجة والدها أصيبت في النهاية بسرطان الثدي أخذ يلتهمها بصمت قاتل، لم يمد ظلم الوالد و زوجته القاسية للفتاة حورية فعدالة الله أخذت مجراها، ورثت حورية وأخاها مروان كلّ الأملاك المطمورة لوالدهما فبعد موته اكتشفت أنّه كان يملك دكانا و منزلا ضخما خارج القرية و قطعة أرض صالحة لزراعة كان يستأجرها ويتمتّع بأجرتها مع زوجته تلك، و لأنّ عدالة الله ستتحقّق لا محالة، أصبحت حورية صحفية في جريدة وطنية رسمية لها مالها الخاص تُديره كيف ما تشاء، فقد فتحت مراكز تكوين مهني خاص لتعليم الفتيات حرفة الحياكة و الطرز و سمت مركز تكوينها (دار ربيحة لتعليم الحياكة والخياطة) تخليدا لروح جارتها ربيحة التي كانت مثل الأم التي لم تلدها، وتساعد معاناة الفتايات اللواتي لم يدرسن، ويعانين من العنف الاسري.
|