|
القاهرة 25 نوفمبر 2025 الساعة 01:33 م

بقلم: عبده الزرَّاع
تحل ذكرى رحيل الكاتب العالمي الفرنسي جول فيرن في 24 مارس من كل عام، وهو الذي أبهر العالم بكتاباته الفذّة، والتي كانت منذ البداية مبشّرة بكاتب سابق لعصره. فقد كتب الشعر والمسرح والرواية، ويُعَدُّ أحد أهم رواد أدب الخيال العلمي. وقد نبّه العالم بروايته الرائدة العظيمة "عشرون ألف فرسخ تحت الماء" إلى اختراع الغواصة، إذ تخيّل في روايته تلك الغواصة التي تهبط إلى أعماق المحيط.
ولم تأتِ فكرة هذه الرواية اعتباطًا، بل لأنه كان مغرمًا بالبحر والسفن والزوارق. وقد سافر في أول رحلة له عام 1867 عبر المحيط الأطلسي إلى أمريكا بصحبة شقيقه، على متن واحدة من أكبر السفن التي أُنتجت في تلك الفترة. وكما يذكر الكاتب عبد التواب يوسف في كتابه الجذور:
"كان جول فيرن يقضي معظم وقته مع البحارة الذين استطاعوا في السنة السابقة أن يمدوا عبر المحيط مجموعة من الأسلاك التلغرافية الضخمة المغلقة لتصل بين أوروبا وأمريكا. وكان بين ركاب السفينة المهندس المسؤول عن المشروع، فسنحت الفرصة أمام جول فيرن ليعرف المزيد من المعلومات عن سؤال كان يتردّد في ذهنه دائمًا: ما الذي يوجد في أعماق المحيطات؟".
وقد سجّل جول فيرن في مفكرته الصغيرة كل ما سمعه من البحارة والمسؤولين عن المشروع، فقد كان يبحث دائمًا عن إجابة لهذا السؤال الذي أرقه طويلًا.
وعندما التقى بالمهندس المسؤول، قدّم نفسه قائلًا: "أنا جول فيرن.. أريد أن أناقشك في..."، فقاطعه المهندس فرحًا: "أأنت جول فيرن مؤلف من الأرض إلى القمر وخمسة أسابيع في بالون ورحلة إلى أعماق الأرض؟!". اندهش فيرن وأجاب: "نعم، هذه مؤلفاتي فعلًا، لكنني أريد أن أعرف منك...". إلا أن المهندس لم يترك له فرصة، وأخذ يسأله عن مصدر خياله الرائع، واستمر الحديث طويلًا، إذ كان كلٌّ منهما شغوفًا بأن يسأل الآخر عن أعماله وإنجازاته.
وحين انتهت الرحلة كان كلٌّ منهما قد تعرف على الآخر تمامًا: المهندس يريد ربط أوروبا بأمريكا عبر المحيط بالاتصال السلكي، بينما جول فيرن يريد ربط الخيال بالحقيقة.
عاد فيرن إلى فرنسا، وبعد ستة أسابيع قصد زورقه على البحر – الذي كان مسكنه ومكتبه – وأخرج مفكرته التي دوّن فيها ملاحظاته أثناء الرحلة، وقال لنفسه: "من الواضح أن كتابي القادم سيكون عن البحار والمحيطات.. ها هي الفكرة تفرض نفسها عليّ.. لقد آن أن أكتب للناس عن العوالم المجهولة في الأعماق". وقد تحققت نبوءة صديقته الأديبة جورج صاند التي اقترحت عليه سابقًا أن يكتب عن "الحياة في غواصة".
وكتب جول فيرن رائعته الخالدة "عشرون ألف فرسخ تحت الماء"، وقدم للقارئ لونًا جديدًا من الأدب والخيال العلمي، يعد امتدادًا وإضافة جديدة بعد روايات التراث القديم مثل "البحّار الغريق" المصرية، و"مغامرات السندباد البحري" المأخوذة من ألف ليلة وليلة.
المولد والنشأة
وُلد جول غابرييل فيرن لأسرة برجوازية في ميناء "نانت" بفرنسا. نشأ على حب البحر والاستماع لروايات البحّارة العائدين عبر المرفأ. كان والده، بيير فيرن، صارمًا وقاسيًا، حتى إن الفتى – وهو في الحادية عشرة – حاول الهرب ليعمل بحّارًا على إحدى السفن، لكن والده أعاده وشدد رقابته عليه. فاضطر الصبي إلى أن يسبح في عالم الخيال، وبدأ يدون أحلامه على الورق، فكانت تلك بداياته في عالم الإبداع.
أنهى جول دراسته في "نانت"، حيث درس البلاغة والفلسفة، ثم أرسله والده إلى باريس ليدرس المحاماة ليخلفه في المهنة. غير أن فيرن شُغف بالقراءة والكتابة، وكتب القصائد والمسرحيات. وبعد حصوله على شهادة الحقوق عام 1848، مال إلى المسرح، وتعرّف إلى الروائي ألكسندر دوما الذي ساعده في عرض أول مسرحية له على الخشبة.
سرعان ما استقال من المحاماة ليتفرغ للكتابة، وبدأ التعاون مع الناشر بيير جول هيتزل في إصدار سلسلة "رحلات غير عادية" التي ضمّت روايات مغامرات دقيقة ومدروسة، مثل: رحلة إلى مركز الأرض، حول العالم في ثمانين يومًا، وعشرون ألف فرسخ تحت الماء.
النجاح والشهرة
ازدادت شهرة فيرن وانتشرت أعماله في أوروبا والعالم، وتُرجمت إلى عشرات اللغات، وأقبل عليها الكبار والصغار معًا. وأصبح يُعَدّ رائدًا في أدب الخيال العلمي، حتى أن بعض النقاد أطلقوا عليه "كاتب أدب الأطفال".
كانت رواياته مصدر إلهام للعلماء، إذ تخيّل 19 اختراعًا تحقق منها 17 في الواقع، مثل الغواصات، والصواريخ، والطائرات. لذا عُدَّ ثاني أكثر كاتب تُترجم أعماله في العالم منذ 1979 بعد "أجاثا كريستي" و"شكسبير".
أبرز مؤلفاته
من أعماله: دراما في المكسيك (1851)، دراما في الهواء (1851)، سيد زاخريوس (1854)، شتاء في الجليد (1855)، خمسة أسابيع في منطاد (1863)، رحلة إلى مركز الأرض (1864)، من الأرض إلى القمر (1865)، أطفال الكابتن جرانت (1868)، عشرون ألف فرسخ تحت الماء (1870)، حول العالم في ثمانين يومًا (1873)، الجزيرة الغامضة (1874)، ميشيل ستروغوف (1876)، قبطان في الخامسة عشرة (1878)، وغيرها الكثير، إذ أصدر أكثر من 84 كتابًا.
لكن تظل "عشرون ألف فرسخ تحت الماء" أهم رواياته وأكثرها تأثيرًا على الإطلاق.
سنواته الأخيرة ورحيله
في عام 1886 أطلق ابن أخيه "جاستون" عليه النار فأصابه في ساقه، وأصبح أعرج بعدها. وفي 1888 انتُخب عضوًا في المجلس البلدي بمدينة "أميان"، وخدم فيه 15 عامًا. لكنه في مطلع القرن العشرين أصيب بالمياه الزرقاء في عينيه، ثم بمرض السكري.
وفي 24 مارس 1905 توفي جول فيرن في منزله المعروف اليوم بـ"قلعة جول فيرن". وبعد وفاته نشر ابنه "ميشيل" عددًا من مؤلفاته غير المكتملة.
تكمن قيمة جول فيرن في أنه أول كاتب للخيال العلمي الحديث؛ فرائعته من الأرض إلى القمر تنبأت برحلة الإنسان إلى القمر قبل وقوعها بقرن من الزمان، كما تحدث عن الكهرباء والغواصات والطائرات قبل اختراعها بعشرات السنين.
|