|
القاهرة 25 نوفمبر 2025 الساعة 01:31 م

بقلم: سارة الشرقاوي
تعد الأوبرا الكلاسيكية «كارمن» من أشهر وأرقى الأعمال الفنية الأوروبية، التي تعددت معالجتها على مدى أكثر من مئة وخمسين عامًا منذ أن كتبها الكاتب الفرنسى بروسبيرو ميريميه Prosper Merimeeعام 1845. ولحنها الموسيقى جورج بيزيه George Bizet، وقُدمت للنرة الأولى على المسرح عام 1875، كما أخرجها للمسرح المصري أيضًا الفنان محمد صبحي عام 1999 على خشبة مسرح سينما راديو بالقاهرة.
كارمن تعود مرة أخرى على خشبة مسرح الطليعة التابع للبيت الفني للمسرح ووزارة الثقافة، في قاعة زكى طليمات، برؤية الأستاذ المخرج ناصر عبد المنعم، بطولة الفنانة ريم أحمد والفنان ميدو عبد القادر.
نحن أمام تجربة معاصرة ومعالجة مختلفة لكارمن التي عرفناها وأحببناها وتماهينا معها، حيث تتجاوز كارمن سواء كأوبرا خالده لجورج بيزيه أو كباليه مُبهر كونها مجرد حكاية غرام وعاطفة بل هي وثيقة نقدية مفتوحة على مصرعيها، تختبر حدود الحرية الشخصية والقبضة المجتمعية. إنها ليست قصة بطلة تموت بسبب الحب، بل قصة امرأة تدفع حياتها ثمناً لرفضها الخضوع، مما يجعلها حقلاً خصباً لـنظرية التكييف ونموذجاً حياً لـإعادة الترميز عبر الوسائط.
?شخصية كارمن (ريم أحمد) الفتاة الغجرية هي رمز درامي تتجسد فيه الحسية الجامحة والتحرر المطلق وأنثى متمردة وحرة لا تعترف بالقيود ولا الحب الأبدي، بل تؤمن بـالحب كطائر جامح يأتي ويذهب دون قيود. هذا الجوهر القوي هو سر خلودها.
?إن هذه البطولة الأنثوية تُشكّل نقيضاً درامياً حاداً؛ فهي تمثل قوة الطبيعة التي لا يمكن السيطرة عليها في مواجهة النظام الذكوري المُمثّل في الضابط دون خوسيه.
?يقدم دون خوسيه (ميدو عبد القادر) الوجه الآخر للمأساة، إنه ليس مجرد عاشق غيور، بل هو جندي أمين يمثل القواعد المجتمعية التي نشأ عليها. كان خوسيه يملك حياة مستقرة، لكن سحر كارمن سحبه إلى الفوضى، عندما أدرك أنه لا يستطيع تملكها، تحول حبه إلى هوس قاتل. إن مقتله لكارمن في نهاية المسرحية لم يعد يُفسر على أنه ذروة "الجريمة العاطفية"، بل يُصنّف في المعالجات المعاصرة، كما في إنتاج كاري كراكنيل في متروبوليتان، كـقتل للنساء (Femicide). هذا التحول في العدسة النقدية يُعيد ترميز المأساة؛ فبدلاً من التعاطف مع العاشق المكلوم، يتم إدانة الرجل الذي يستخدم العنف كسلاح أخير لفرض سيطرته.
?إن التنوع الهائل في اقتباسات ("كارمن"(من الأوبرا الأصلية إلى المسرحيات المصرية الحديثة مثل إنتاج الطليعة، يحوّلها إلى دراسة حالة لنظرية التكييف كل اقتباس جديد هو ليس إعادة تكرار بل عملية نفسية وثقافية وابداعية دائمة التطور.
?تميزت النسخة المصرية للمخرج ناصر عبد المنعم بتقديم الشخصيات الرئيسية بعمق، مستفيدة من التزامها بـاللغة العربية الفصحى لإضفاء نبرة درامية قوية على الصراع، وتأكيداً على أهمية الممثل الشامل.
فشخصية كارمن (ريم أحمد) رمز للتحدي الحركي وكان اختيارها للعرض هو الرهان الأقوى في العرض، وحصدت عليه جائزة "أفضل دور نساء" في المهرجان القومي. تميزت كارمن في هذه النسخة بـالأداء الشامل؛ حيث اعتمدت ريم أحمد على دراستها للباليه والرقص لتجسيد الحسية والتحدي ليس فقط بالصوت والكلمة، بل بالتعبير الحركي القوي ومهارة أداء الرقص الإسباني الفلامينكو. حيث جسدت كارمن هنا كفاحاً شرساً ضد القيود. كان صراعها مع دون خوسيه يبدو كمواجهة بين قوة الحرية العفوية(غجرية) ونظام السلطة المتردد (الضابط). رغم صعوبة أداء دور حسي وجامح لكارمن بالفصحى إلا أن الأداء نجح في تحويل هذه اللغة إلى أداة لزيادة الوقار الدرامي وإبراز قوة الشخصية. فجاء النقد هنا للأداء على مستوى الإبهار المرئي (البصري) قد طغى على المستوى الشعوري، حيث أثار دخول كارمن على الخشبة الإبهار للعين أكثر من التفاعل الوجداني مع المتلقي.
?شخصية الضابط دون خوسيه، الذي أداه ميدو عبد القادر تم تقديمها كضحية لـازدواجية القيم والصراع الداخلي كصراع الولاء من خلال تجسيده للجندي الذي ينهار تدريجياً أمام سحر كارمن. كان يمثل القانون والأخلاق التقليدية، لكنه عجز عن مقاومة شغف كارمن فغيرته وحبه للتملك حول حبه الي هوس بالسيطرة عليها، مما أدى به إلى التمرد على زملائه والهروب للعيش مع المهربين. وتجسد صراعه الأخير في محاولته الفاشلة لـقيد الفتاة الحرة، الأمر الذي أوصله في النهاية إلى ارتكاب جريمته. فالشخصية هنا جسدت رمزية الانحدار من ضابطاً رفيعاً وانتهت قاتلاً مطارداً ومحطماً نفسياً.
وقد جاءا دورا كل من ميكايلا وإسكاميلو (الأقطاب المقابلة) بالرغم من أن كارمن ودون خوسيه هما محورا الصراع، فإن الشخصيتين الأخريين عملتا كـأقطاب درامية عززت التناقض.
?ميكايلا (نهال فهمي) مثلت المرأة التقليدية والطاعة وجودها كان بمثابة تذكير مستمر لدون خوسيه بأنها تعرضت للعنف من خلال الندبة التي تركتها كارمن بوجهها وجعلتها تعاني طوال الوقت من هذا التشوه. فهي شاهدة على الوجه الآخر لكارمن.
?إسكاميلو مصارع الثيران (عبد الرحمن جميل) وقام بدور زوج كارمن في المسرحية فقد جسد الرجولة الواثقة والحرية المقبولة اجتماعياً (البطل الشعبي) في المسرحية وهو المنافس القوي الذي يمتلك ما يفتقر إليه خوسيه الثقة بالنفس وعدم الحاجة للسيطرة. ظهور إسكاميلو دفع خوسيه إلى أقصى درجات اليأس والغيرة. و(محمد حسيب) في دور العجوز باستيا، فقد شكّلوا معًا نسيجًا إنسانيًا حول القصة الأساسية يعكس تفاعلات المجتمع مع مأساة العاشق والمعشوقة.
برزت (ليديا سليمان) في شخصية مانويلا، بأدائها الغنائي المميز، التي منحت العرض طابعًا غرائبيًا، يعيدنا إلى طقوس الغجر والتاروت والمصير المكتوب.
?نجح العرض المصري في إعادة ترميز هذه الشخصيات الكلاسيكية بـروح مسرحية مصرية تلتزم بالفصحى وهنا يأتي دور التأليف والمعالجة المسرحية (محمد علي إبراهيم) لم تكن مجرد ترجمة، بل كانت رؤية مسرحية معاصرة تخدم رؤية المخرج. التزم النص باللغة العربية الفصحى القوية والمُحكمة، وهو اختيار جريء ونادر في المسرح التجاري أو الجماهيري. هذا الاختيار منح القصة عمقاً فلسفياً وزاد من قوة التعبير عن الصراعات الداخلية للشخصيات. نجح النص في الاحتفاظ بـالجوهر الدرامي لرواية ميريميه وأوبرا بيزيه (الحرية، الغيرة، المصير)، مع دمجها في لغة مسرحية تناسب الجمهور الحديث. ساعدت المعالجة على تضخيم التناقضات الاجتماعية والفلسفية، خاصةً الصراع بين نظام الجندية (دون خوسيه) وحياة التهريب والغجر (كارمن)، والتركيز على ثمن الحرية الشخصية. اعتمد النص على بناء غير خطي يبدأ من لحظة النهاية، خوسيه في الزنزانة بعد أن قتل كارمن يواجه إسكاميلا وغريمه العاطفي في حوار يُعيد فتح الجرح. ومن هذا المشهد ينطلق الحكي في فلاش باك درامي ودوائر زمنية ورمزية غاية في الإتقان لسرد الأحداث وهو ما يختلف عن البناء الخطي التقليدي للمسرح.
حقق تصميم الديكور(لأحمد شربي) نجاحًا نقديًا كبيرًا، حيث فاز بجائزة أفضل تصميم ديكور (مناصفة) في المهرجان القومي للمسرح. اعتمد الديكور على البساطة الوظيفية والرمزية بدلاً من الواقعية المُبهرة، وهو ما يناسب مسارح الطليعة. تم استخدام عناصر قليلة لكنها ذات دلالة عميقة. استخدم الديكور آلية تسمح لبعض الأجزاء بالدوران أو التحرك، مما ساعد في تغيير المشهد بسرعة ورمز إلى دوامة الصراع التي تجذب دون خوسيه وكارمن.
تم توظيف الخلفية والديكورات بشكل مرن يخدم انتقال الأحداث بين الحانة والثكنات العسكرية، ومناطق الغجر المهربين. في المنتصف حانة تتصدر المشهد بكل تفاصيلها، وفي منتصف الحانة قماش يطلق عليه" ماش" تدور خلفه مشاهد في إحدى الغرف التي تواعد كارمن عشاقها فيها، تُبرز بواسطة الإضاءة (تصميم أبو بكر الشريف) وعند الانتقال من الحانة إلى مكان آخرتُفصل الحانة عن المكان المراد تجسيده بستار يهبط من الأعلى، وتُستغل مقدمة الخشبة، ويُستعان ببعض الموتيفات التي تحدد هذا المكان وكأننا بصدد مونتاج سينمائي نُفذ باحترافية تشارك فيه مصمما الديكور والإضاءة، فاستحق هذان العنصران أن يكونا بطلي صناعة الصورة في العرض.
تميل الملابس (أحمد شربي) إلى الألوان التي تعكس الأجواء الإسبانية الغجرية مع لمسة مسرحية مصرية معاصرة، لتعزيز المزاج الدرامي والشغف رغم بساطة خاماتها جاءت معبّرة عن الطبقة والدور، فالأحمر لكارمن رمزًا للغواية والدم، والأسود لحزن خوسيه وقهره، والذهبي لإسكاميلو الذي يتلألأ كنجمٍ على حلبة الحياة.
الموسيقى التي أعدّها (حازم الكفراوي) استندت إلى أوبرا بيزيه، لكنها جاءت بتوزيع مناسب لحجم المسرح، بينما قدّمت (سالي أحمد) استعراضات راقصة متقنة، تعكس روح الفلامنكو والغجر، وتعزز الإحساس بالجو العام للمشهد والتي أعطت للإضاءة فرصة كي ينتقل تأثيرها للمتفرج خاصة في مشاهد الغرفة الخلفية للحانة بالإيقاع والمزاج العام.
?أشرف المخرج ناصر عبد المنعم على صياغة هذا العرض المتكامل من خلال توجيه للممثلين. كان الإخراج حريصاً على خلق توازن ديناميكي بين قوة النص (الفصحى) وجمالية العرض (الاستعراضات والرقص) لم يترك الإخراج العرض يتأرجح نحو الإفراط في الاستعراض على حساب الدراما أو العكس خاصة في بناء المشاهد الحوارية الساخنة والمواجهة الأخيرة بين كارمن ودون خوسيه، التي جسدت الصراع على السيطرة والحب الحر. تعكس رؤية عبد المنعم الإيمانية بأهمية دفع الوجوه الشابة مما يمنح العرض طاقة متجددة وإمكانية استمرار العرض لفترات طويلة.
?باختصار كان عرض "كارمن" على الطليعة مثالاً لعمل مسرحي متكامل، حيث الديكور يخدم الرمزية، والتأليف يرفع مستوى اللغة، والإخراج يجمع بين الفكر والجمالية الحركية.
وعند مقارنة "كارمن" محمد صبحي وبين "كارمن" الطليعة. قدم محمد صبحي معالجته لـكارمن في عام 1999 لكنه اختار إعادة ترميز القصة بالكامل عبر وسيط الكوميديا الموسيقية الاستعراضية ودمجها في إطار قصصي حديث يخدم قضاياه المعتادة، لم تُقدم المسرحية كإعادة لـكارمن مباشرة، بل كانت تدور حول مخرج مسرحي (محمد صبحي) يقرر تقديم كارمن بمعالجة جديدة، ويبحث عن بطلة تناسب الدور، فتتطور علاقته مع البطلة (سيمون). هذا الإطار سمح لصبحي بـالتعليق المباشر على العمل الفني نفسه وعلى قضايا المجتمع. كارمن (سيمون) تم تقديم الشخصية بلمسة استعراضية موسيقية خفيفة لكنها حافظت على جوهر التحدي الأنثوي. تم التركيز على فكرة أن البطلة الحقيقية تكمن فيها كبرياء واعتزاز بالنفس، وهو ما جذب المخرج إليها رابطاً بينها وبين روح كارمن الغجرية.
?دون خوسيه (محمد صبحي في دور المخرج) يلعب دور السلطة الفنية والإنسانية التي تحاول السيطرة على البطلة أو توجيهها. وهنا يتحول صراع الحب إلى صراع إرادات بين المخرج والممثل أو بين الرجل والمرأة المتمردة. استخدم صبحي الكوميديا الساخرة والموسيقى (للموسيقار عمر خيرت) كأداة لـتفكيك المأساة الأوبرالية وتحويلها إلى مناقشة سياسية واجتماعية.
صبحي أعاد ترميز المأساة لخدمة سؤاله الأبدي: هل الحرية المطلقة (الفوضى) تستلزم وجود ديكتاتور لكبح جماحها؟ وهل وجود الديكتاتور يُقهر الحرية؟ ربط محمد صبحي هذا الصراع الفلسفي بين كارمن وخوسيه بـالواقع السياسي المعاصر للعالم، مما منح العمل عمقاً مختلفاً عن التركيز التقليدي على العشق.
?تؤكد المعالجتان المصرية لقصة "كارمن" أن النص الأيقوني لا يزال حياً ومتجدداً. فبينما قدم عرض الطليعة احتفاءً بجماليات الأداء المسرحي الشامل وقوة المأساة بالفصحى، قدمت رؤية محمد صبحي نقداً لاذعاً اجتماعياً وسياسياً مغلفاً بالكوميديا والموسيقى. كلاهما نجح في إعادة ترميز قصة العشق القاتل لتخدم قضايا معاصرة، لتظل كارمن في كل نسخة هي المرأة التي ترقص على حافة الهاوية رافضة أن تعيش مقيدة، حتى لو كان ثمن ذلك حريتها الأبدية في الموت. كارمن. نصاً لا يموت.
?
|