|
القاهرة 25 نوفمبر 2025 الساعة 01:28 م

بقلم: كريم عبد السلام
على العكس من الحضارة الغربية الحديثة التى تقوم على الصراع والعدوان، تتسم الحضارة الهندية بالتنوع والتعدد على مستوى اللغة والأديان والطوائف كما تقوم الحياة وفق الحضارة الهندية على تجاوز الألم وانضباط النفس وأن العمل هو الأساس والمنهج وأن تجربة الحياة تقوم على المعاناة والتفكير والتحرر من الآلأم واكتساب السعادة وأداء الواجب والمسؤولية والعدالة، وتبدأ درجات الطريق إلى السعادة فى الحضارة الهندية من الحدس الصحيح للإيمان، وإدراك معنى الألم والسلوك الصحيح فى القول والفعل والخلاص من الألم بالتخلص من الأهواء وحتى السعى نحو المعرفة مهما كانت صعوبة الطريق.
وكذلك الحضارة الصينية المتصلة التى لم تنقطع منذ آلاف السنين، تقوم على تعاليم كونفوشيوس وتاو القائلة بضرورة الربط بين حسن التفكير و حسن التعلم والإدراك ، والعودة دائما إلى التراث ودراسة التاريخ القديم مع التركيز على العصور الناجحة للدولة والمجتمع وإعطاء الأولوية للتعليم وتطبيق التعليم فى الواقع.
وتؤكد تعاليم كونفوشيوس المتبعة فى الصين وغيرها من الأمم المشرقية على مجموعة من القواعد الأساسية منها، السلوك الأخلاقي ، حيث الأولوية للأخلاق العملية في عملية التعلم و التربية ، بدءا بحب الوالدين والأسرة وصولا إلى الصدق والأخوة الإنسانية، مع الحرص على ضرورة دراسة الفنون بأنواعها وإطلاق الخيال للموهوبين فى الأدب والموسيقى والرياضيات، أيضا من القواعد المهمة فى الحضارة الصينية ضرورة تجاوز الصعاب والأخطاء، والتعاون بين الأجيال القديمة والجديدة وأن مصداقية التعليم وسياساته فى التطبيق الجيد.
من هنا نجد اختلافا جوهريا فى الأفق الثقافى والحضارى الشرقى فى الصين واليابان والهند وبين الأفق الثقافى والحضارى الغربى الذى يقوم على فرضية الصراع والعدوان كأساس لاستمرار المجتمعات والأمم، ومن ثم تنتج الحضارة الغربية موجات من الصراعات الرمزية فى الإبداع والفنون وأشكالا من العدوان تظهر كأوضح ما يكون فى الإنتاج السينمائى والدرامى والذى يعتمد على التوجيه وقصف العقول وتوحيد الأنماط الثقافية فى العالم من خلال استعمار الذوق والثقافة بدلا من إعلاء قيم التنوع والتعدد والاختلاف.
إننا ، فى هذا السياق نؤكد على ما سبق أن طرحناه من ضرورة فهم الذات الإنسانية بعمق أولا، وعدم الفصل بينها وبين الكون، الذات الإنسانية هى الكون، والإبداع هو الروح التى تنتظم هذا الكون عبر التاريخ، فلا يصح ونحن ما زالنا فى ظلمات الجهل بذواتنا وبالكون أن نقطع بوجود إبداع من صنع الآلات، دون أن نتساءل: هل للآلات أسلاف؟ هل للآلات ذاكرةذ؟ هل تحلم الآلات؟ ما علاقة الآلات بالألم شخصيا كان أو كونيا؟
فى الإبداع أيضا جزء أساسى من ذاكرة الأسلاف الذين واجهو الوحوش بأيديهم العزلاء كما انتصروا على كائنات البحار أيام الفيضان الكبير الذى أغرق الأرض، تلك الذاكرة التى تنبض بصور واهنة مغبشة عن لحظات انتصار سريعة وصرخات مجنونة يعقبها اختطاف البطل الشعبى بين فكى وحش جديد، ومع ذلك لا يبقى من البطل الشعبى على ذاكرتنا إلا محاولته تغيير المصير والصمود أمام الوحوش والكوارث والبقاء على قيد الحياة وسط الموت الذى يمور ويرتفع مثل دوامة حتمية فى البحر الكبير.
إذن هل يمكن مقارنة الخيال الإنسانى والذاكرة الإنسانية والإرادة الإنسانية والمعارف الإنسانية والشطحات والإشراقات الإنسانية، بمجموعة من الملفات الإبداعية المخزنة فى آلة وكل ما لديها هو إجراء التباديل والتوافيق مما خزن عليها لتستحضر الموضوع المطلوب منها صناعته؟
الإجابة عن هذا السؤال الاستنكارى: بالقطع لا
|