|
القاهرة 25 نوفمبر 2025 الساعة 10:12 ص

بقلم: شيماء عبد الناصر حارس
والغضب حالة أحيانًا يعقبها شيء من الحزن وبالتالي بعض البكاء، والحقيقة أنني أستجدي نفسي أحيانًا كي أبكي، وأنا أشاهد الأحداث مباشرة فأجدني لا أبكي، وربما بكيت في يوم آخر أثناء السير في الشارع أو قبل النوم وأحيانًا وأنا نائمة أو بين بين، البكاء طاقة مختزنة وعليها الخروج مثلها مثل الغضب، وأنا إذ أغني للغضب وأحتفي به، ليس فقط تصالحت معه، لكني أحببته، أصبح هذا العدو حبيبًا وهذا من عجائب الأمور في الحياة، وإن الحياة مليئة بالعجائب، ولكني إذا أشدد على توصيفي بأنه –أي الغضب- أصبح حبيبًا أو حليفًا، فهو الحليف الذي من الممكن أن تحبه أو الحبيب الذي كان عدوا يوما ما لاختلاف وجهات النظر ولكنه مأمون الجانب، عدو أمين لديه القدرة على اختراق الحجب كي يصبح حليفًا يوما ما، وليس كل الأعداء كذلك.
وأصبح الغضب مقياسا للحكم على الأشخاص عندي. فأن تغضب بدرجة أقل أو أكثر يضعك ذلك في مكانة من احترامي أكبر أو أصغر، وأما هذا العالم غير الغاضب هو بالنسبة لي عالم حقير.
أما أكثرهم غضبا هو الطفل الفلسطيني حنظلة الذي يعطي للعالم ظهره احتقارا، عزيزي حنظلة أنت الأكثر غضبا والأكثر جمالا على الإطلاق، أعرف أنك مجرد رمز مصنوع، لكني رأيت مثلك الكثير من الأطفال، غضبى. من الجوع ربما، من البرد، من القصف، من الظلم، وقد يختلف شكلك أو وضع جسدك، مرة أمام الكاميرا باسم عبد العزيز أو بسمة التي حكى عنها الدندي المتقاعد انتوني اجيلار حينما واجهته بقولها: You go home، كان مبهورا بها وبشخصيتها، وبغضبها أو آخرين، تعرف أني أحب الأطفال الغاضبين يا حنظلة.
يأتي حنظلة مارا على المدن القديمة المصورة بالأبيض والأسود ويعرف فيها معالم بلداته القديمة، بجذورها التاريخية ويتوقف أمام لافتة مكتوب عليها الاسم بالعبرية وبعربية لكن مع تغييرات في الاسم، وبقطعة قماش بيضاء يمسح اللافتة ويكتب عليها الاسم العربي الحقيقي فمثلا ( أشقلون، عسقلان) (طيبروس، طبرية) ثم يسير بضع خطوات ويقف قليلا على الطريق المترب الرمادي فيتحول جانبي الطريق إلى الأخضر، ولكن يظل حنظلة معطيًا العالم ظهره وعاقدا كلتا يديه خلف ظهره، كأنه يعبر عن غضبٍ واستياء، وتساؤل: أن كيف جعلتم هذا يحدث؟
أنتظر كل يوم هذا المشهد وأبدأ في التكهن باسم المدينة من خلال معالمها، التي ربما أصبت أحيانًا وربما أخطأت في توقعها لكن ينجح دائمًا حنظلة في معرفتها، فالإنسان يعرف بلاده أكثر من أي شخص آخر، في الفواصل بين الأغاني وفقرات الأشعار على قناة فلسطيني.
أخبره أن معه كل الحق كي يغضب. وأنا أيضًا غاضبة منه.
أنظر في عين تلك الفتاة وهي تكتب: "أعاني من وحدة قاتلة لم تعد الأشياء تسعدني ولست أعرف ما أمر به هل هو أزمة أم سأظل هكذا حتى الموت، أفكر كثيرا في الموت، وفي تلك اللحظة التي سيرتطم بها جسدي بتراب المقبرة وأنا لست جاهزة لذلك، يحاصرني الماضي بأخطائه وآثامه وتحاصرني نفسي برغباتها، أفكر في الانتحار، لكنه الحل الأصعب، والأسهل منه أن أظل على حالتي تلك، تمر أوقاتي وساعاتي بمرارة لعينة، لا أرغب في عمل شيء حتى إذا قرصني الجوع ذهبت لآكل" أخبرها أنني لا زلت هنا وأنني لم أعد أفكر في الوحدة، بل أحببتها وأصبحت أبتعد عن الناس بمحض إرادتي، أصبح الانتحار فكرة عبيطة جدا وتضحكني، وتجعلني أسأل، لماذا أموت؟ أنا الغاضبة الجميلة، ويعيش هؤلاء الحمقى والأغبياء، القتلة والمجرمون، لا لن أموت، سأعيش غاضبة، وحيدة وسوف أكتب، للحياة، للغضب، للماضي، للحاضر أو المستقبل.
"تلك الرائحة، حيث كتاب ترك لفترة وسط الكتب، رائحة الزمن، ساعات وأيام تمر والكتاب لا زال مكانه وسط مجموعة أخرى تتوالد الدقائق والثواني بينها، أسحبه للقراءة تتناثر دقائقه وثوانيه، أيامه وشهوره، تنبعث من كل منها رائحتها الخاصة المميزة".
وأرتدي ملابسي وأخرج، أكتب في عقلي وأخط بالكلمات روحي.
أكتب للغضب.
أكتب للحياة.
الغضب يشعل جذوة الحياة.
|