|
القاهرة 25 نوفمبر 2025 الساعة 10:09 ص

حوار: حسين عبد الرحيم
بعد صدور ثلاثيته الروائية المعنونة بـ "ملحمة المطاريد" يستعد الأديب والمفكر عمار علي حسن لإصدار طبعة جديدة من سيرته الذاتية "مكان وسط الزحام.. تجربة ذاتية في عبور الصعاب". حول هذه السيرة وأعماله التي تربو على ستين كتابًا في مختلف ألوان الإبداع الأدبي والنقد الثقافي والتصوف والاجتماع السياسي..
وكان لـمجلة "مصر المحروسة" معه هذا الحوار:
ما الذي جعلك تقدم عل كتابة سيرتك الذاتية؟
تحدثت ذات مرة في برنامج تلفزيوني عن طرف من شقاء أيام الصبا، فوجدت كثيرين يطلبون مني أن أكتب هذا، ليقرأه جيل جديد يرونه يتعجل الحصاد مع أن كثيرين منه لم يحسنوا الزراعة. وتزامن هذا مع تقديم شهادة عن تجربتي الروائية إلى مؤتمر الرواية العربية في القاهرة. وحين نظرت إلى الأمرين أيقنت أن الوقت قد حان لكتابة شيء على هذا الدرب. وبالطبع فهناك كثيرون يقولون إن السيرة تكتب في آخر العمر، لكن هل أحد منا يعرف متى ينقضي أجله؟ كما أن الذين سبقونا على الطريق وتعلمنا منهم، كتبوا تجربتهم حين شعروا أنهم راغبون في هذا، فطه حسين كتب الأيام وهو في أواخر العقد الرابع من عمره، ونشرها وعمره لم يتعد الأربعين. المهم أن تكون هناك تجربة قد نضجت وتفرض نفسها على صاحبها كي يكتبها، وهذا ما جري معي.
وحجتي في كل هذا، وعزائي أيضًا، أن هناك من لا يستصغرون سيرة كتبها صاحبها بصدق، وسعى منها إلى غاية طيبة، مهما كان قدره في عالم الأفكار والآداب والفنون والعلم والعمل، فحياة كل فرد تحوي تجربة تستحق النظر، ليبقى الفرق بين الكاتب وغيره من الناس هو قدرة الأول على سرد سيرته، فلا يتركها تائهة في الحيز الشفاهي الممدود، أو مبعثرة تتهادى أحيانًا في حكايات متناثرة، لا يجمعها خيط واحد، ولا يمسكها مسار متناغم أو متجانس.
لم يغن ما كتبته من الروايات والقصص عن التفكير في كتابة سيرتي، ليس فقط لأشرح مكنونات نفسي دون تحرج أو تأثم، ولا لحنين جارف إلى أيام ولت ولن تعود، ولا لمقاومة كل عوامل اليأس والقنوط والإحباط والتطير، إنما أيضًا لتعيين مكاني الذي بلغته وسط زحام الناس، وعلى درب الحياة الشاق الطويل، وكذلك تخفيف العبء عن نفسي بنقل تجربتي إلى الآخرين، ربما يجدوا فيها ما يفيد، وما يمتع في آن.
لماذا أسميت سيرتك الذاتية "مكان وسط الزحام"؟
أعتقد أن هذا العنوان معبر كثيرًا عما كنت أقصده وقت أن أتيت إلى القاهرة عام 1985، للالتحاق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، حيث كنت أخاطب نفسي: لا بد أن يكون لك مكان وسط الزحام، وعليك أن تجاهد كي تترك علامة، قبل أن تمضي. وأتذكر أنني حين أنهيت خدمتي العسكرية لم أعد إلى قريتي حتى لا يأكلني الزمن، إنما نزلت إلى القاهرة، وقلت لها: ها أنا قد عدت، ولن أضيع فيك.
وضعت على غلاف سيرتك عنوان فرعيًا هو " تجربة ذاتية فى عبور الصعاب " فهل كتابتها واستدعاء مواقف صعبة من طفولتك كان صعب عليك؟
على النقيض من هذا تمامًا، إنها سالف بهجتي، رغم ما فيها من شقاء، وهي التي أمدتني بمخزون وفير لا أزال أنهل منه في أعمالي القصصية والروائية، وحتى في الاستبصار والتأمل الذي يجب أن يتسم به من يؤلف كتبًا في الاجتماع السياسي، فلها فضل عليَّ، فأنا أكتب عما أعرفه وعمن أعرفهم.
نعم قدمت هنا تجربة في الانتصار على الشدائد، بطلها كاتبها، الذي كان طفلًا شبه متوحد، متعثرًا دراسيًا في سنوات التعليم الأولى، ثم لم يلبث أن تفوق ليشق طريقه في التعليم إلى نهايته، ويكون بوسعه أن يحكي لغيره عن أساتذة وقفوا أمامه، وآخرين قرأ لهم، وعن بسطاء الناس الذين تعلم منهم، وكيف واجه الفقر واليأس والغربة والوقوف على مشارف الموت مرات، وكذلك تجاربه في الأدب والفلاحة والمعمار والصحافة والبحث العلمي والحب والجندية والدراسة والصداقة والزمالة، والكفاح من أجل الحرية والإبداع، والترقي في العيش.
لم تبدأ سيرتك الذاتية من المولد والنشأة إنما من المدرسة فهل سبب ذلك إلتزامك بقواعد علم نفس النمو التي تنبئنا بأن كل ما جرى لنا في السنوات الخمس الأولى يمحى أم سبب ذلك إيمانك بأن العلم هو الذي صنعك وصاغ وجدانك؟
ـ في حياتي تجاور العلم والفن، ثم تعانقا بمرور الأيام، وقد حرصت على أن تجلي سيرتي هذه المسألة. ولم أبدأ هذه السيرة بالمولد والنشأة، حتى لا أعتمد بالكلية في هذا على ما أسمعه من غيري، وكي لا تأتي تقليدية مثل كثير من السير، بل توسلت فيها بما أمتلكه كأديب، وكتبتها في صيغة سردية تصف واقعي بلا خيال ولا افتعال، ولأني أدرك أن حياتي الحقيقية بدأت مع المدرسة فقد انطلقت منها، ومع هذا استرجعت ما قبلها مما بقي في ذاكرتي مما حكاه لي أهلي عن طفولتي المبكرة جدًا.
سيرتك أشبه برواية تعلمنا الدأب والكدح والصبر فهل كنت تقصد هذا؟
أنا لم أقصد سوى كتابة تجربتي كما وقعت، ولأنني صبرت وجالدت، ولا أزال، فقد ظهر الأمر على هذا النحو.
تبين سيرتك الكثير من الوقائع التى ساندك القدر فيها فهل تؤمن بقانون الصدفة ؟
لا، أنا أؤمن بـ "اعقلها وتوكل" فآخذ بالأسباب على قدر استطاعتي، وفي إيماني بأن طاقة الإنسان على الإبداع واسعة وعميقة، ثم يملؤني شعور بأن الله لن يردني خائبًا. ومع هذا لا أزال أنظر في اعتبار إلى قول الفيلسوف الألماني شوبنهور: "الآن بلغت الثمانين من عمري، وحين أنظر خلفي أدرك أن كل نقاط التحول في حياتي لم تكن من صنع يدي"، فبعض هذا حدث لي فعلا، وهناك محطات جاهدت كي أصنعها.
في نهاية أول يوم دراسي لك اندلعت الحرب وكأن الدراسة كانت حربك الوحيدة أو الأصعب، هل هي محض مصادفة؟
ـ نعم، هي كذلك، فأنا من جيل كان يؤمن بأن التعليم أحد الأسباب القوية للحراك الاجتماعي والترقي في العيش، وقد أخلصت له كمسار، فضلًا عن شغفي بالمعرفة والأدب، فلم يخذلني، ولولا الدراسة والكتابة لكنت قد صرت الآن فلاحا أجيرا، أو عامل تراحيل، وهو ما شرحته بوضوح في سيرتي الذاتية.
يلعب المكان فى سيرتك "مكان وسط الزحام" دورًا ملموسًا، فإلى أي حد ترتبط بالأمكنة؟
ارتباطي بالأماكن لا حدود له، وهذا طالما تسكبه نفسي ويخطه وجداني على الورق، فيظهر في أعمالي السردية، وقد بلغ مدى لافتا حتى أن باحثة بجامعة الإسكندرية ناقشت أطروحة للدكتوراه عن المكان في رواياتي، ضمن تصورها عن الأدب والجغرافيا الثقافية.
بدا أنك تعمدت كتابة سيرتك بروح الرواية على غير السائد فى السير الذاتية التي كتبها كتاب أخرون، أليس كذلك؟
هي أخذت من فن الرواية الطريقة أو الأسلوب، وأحيانًا البنية، وأخذت من السيرة ما يجب أن تنطوي عليه من صدق ووصف للواقع وشرح للتجربة الذاتية كما جرت. ولا أزعم أنني قد وضعت تصورا في رأسي ابتداء لمثل هذا النوع من الكتابة، لكنها خرجت على هذا النحو، ومن يقرأها بإمعان فقد يكتشف أنها اعتمدت على الاستطراد أو تداعي المعاني، وبالتالي لم تخضع للطرق التقليدية في كتابة السير.
حرصت على كتابة سيرتك باللغة الفصحى وليست الدارجة أو العامية، كيف ترصد علاقتك باللغة، خاصة أنك استخدمت العامية أحيانا في أول مجموعة قصصية لك وهي "عرب العطيات"؟
كل عمل يختار لغته، ففي روايتي "شجرة العابد" مثلًا كان يجب أن تكون اللغة صوفية، لتواكب أجواء الرواية وتعبر عن شخصياتها، بينما ذهبت هذه الروح الصوفية في روايتي "باب رزق" التي تدور في حي عشوائي بالقاهرة. وهناك قصص عن عوالم الريف تجري على ألسنة بسطاء، مثلما كان في "عرب العطيات"، لكنني في المجمل أميل إلى كتابة اللغة العربية الفصحى، وأحاول أن أحل معضلة التعبير على ألسنة شخصيات بسيطة باللجوء إلى ما تسمى الفصحى الدارجة أو اللغة الثالثة مثلما كان يقول توفيق الحكيم ويفعل، وكذلك نجيب محفوظ. لكن أحيانًا لا أجد بديلًا عن عامية تفرض نفسها في بعض المواقف والمواضع. كما أنني لجأت في بعض رواياتي إلى تضمين أمثال ومواويل وتعبيرات من الثقافة الشعبية لا يمكن أن تكتب إلا باللهجة الشفاهية التي نُطقت بها.
تظهر هذه السيرة أن قضية الفقر تشغلك، أليس كذك؟
طبعا، الفقر بشتى ألوانه يشغلني، المادي والروحي والأخلاقي والمعرفي والخاص بتذوق الجمال، إن هذا يجب أن يكون شاغلنا الشاغل، كي نسهم في تحسين شروط الحياة.
بعد منجزك في كتابة الرواية والقصة والشعر والمسرح وعلم الاجتماع السياسي والتصوف والنقد الثقافي، أتكتب بهذه الصراحة عن فقرك، بينما نجد هناك من ينكر فقره في أيامه الأولى؟
هذه مسألة يجب أن يعتز بها كل من عاشها، وتمكن من أن يعبرها باجتهاد وكفاح شريف. ومن عليه أن يخجل هو من وجد أن كل شيء معد له، ولم يضف جديدًا إلى الحياة. الفقر ليس عيبا في حد ذاته، إنما العيب في إنكاره، أو تركه يؤثر سلبيا على نفس الإنسان، حتى حين يصبح من مساتير الناس أو أغنيائهم.
فى سيرتك توضح أن كل كتبك ما عدا واحدًا منها كانت إجابات عن أسئلة تثار فى رأسك، إلى أي حد تلتزم بهذا؟
هذه المقولة تخص كتاباتي في الاجتماع السياسي بالطبع، وليست رواياتي وقصصي، وهذا أمر طبيعي، فالبحث العلمي هو محاولة ممنهجة او مضبوطة علميًا للإجابة على تساؤلات أو إثبات افتراضات أو نفيها.
تقول أنك صرت بالنسبة للكثيرين عصيًا على التصنيف الأيدلوجى وقد انتهيت لما تسميه منظومة قيم إنسانية متماسكة كإطار أو مرجعية، حدثنا عن هذا الأمر؟
حسمت هذه المسألة منذ وقت مبكر، بعد أن أدركت البؤس الذي يكمن في الأيديولوجيات، وإن كنت من المقتنعين بأن الحياة لا تستقيم بلا إطار أو مرجعية أو نقطة مركزية ينطلق منها الإنسان في رؤيته للأمور، ولهذا كتبت كتيبًا أدعو فيه إلى أن يكون لكل منا منظومة قيم، وبالنسبة لمنظومتي، التي رسمت ملامحها على الورق، تتعانق فيها الحرية مع العدالة والمساواة، كقيم سياسية، ولا تتناحر كما يجري في الأيديولوجيات الجامدة.
ماذا يمثل لك كتاب مكان وسط الزحام، وما الذى شجعك على تأليفه؟
.. يمثل لى الكثير والكثير ، وأعتبره من أهم كتبى ، فالكتاب يحكى سيرتى الذاتية من مولدى حتى لحظة كتابته، وحاولت فيه أن أتحلى بقدر من شجاعة الاعتراف، بدليل أننى لم أخف فيه أشياء يخفيها آخرون بعد وصولهم للتحقق أو الشهرة ، فأنا أوضحت فيه معاناتى مع الفقر واليأس والغربة، وقدرتى على مواجهة الصعاب والتحديات حتى استطعت أن أحقق أحلامى، وابتعدت فيه عن الجانب السياسى وركزت على الجانب الاجتماعى ، وقد تشجعت على كتابته بعد أن شجعنى كثيرون على ذلك ، بعد أن استمعوا لى في برنامج تليفزيونى ، وأنا أتحدث بلا خجل عن عملى في الفلاحة والمعمار في أيام الصبا وعن ركوبى قطار الدرجة الثالثة ووقوفى فيه على قدم واحدة وسط الزحام وأنا أسافر من المنيا إلى القاهرة لتقديم أوراقى إلى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بعد تفوقى في الثانوية العامة، وعن الصعوبات التي واجهتنى بعد تخرجى حتى حصلت على فرصة عمل وسط زحام القاهرة.
هل "مكان وسط الزحام" يحوي كل سيرتك الذاتية، أم أنها تجلت في أعمال أخرى لك؟
كتبت تجربتي السياسية في كتاب حمل عنوان "عشت ما جرى"، وهناك من النقاد من يعتبر أن جوانب من سيرتي ظهرت في عملين لي هما "عجائز البلدة" الذي قدمت فيه خمسة وستين حكاية عن الأدوات والآلات البسيطة التي رأيتها طفلًا في منازلنا وحقولنا، وجرفتها الحداثة، وحين حكيت عنها ظهرت علاقتي بها، فبدت وكأنها جزء من سيرتي. وهناك كتابي في أدب الرحلات "ألف نافذة لغرفة واحدة .. رحلة من الطبيعة إلى الطبائع"، وفيه تجربتي في الرحلة.
الطفل الذي كان يعاني من أعراض التوحد، كيف وصلت مؤلفاته إلى ما يربو على ستين كتابًا؟ وما سر هذا الإنتاج الغزير وأنت الذي حرمت من أول حروف في التهجي؟
ـ أحاول أن أعمل بصبر فلاح، فأنا فلاح يكتب بالقلم بعد أن كان يضرب بالفأس، وأحاول أن أعمل أيضًا بإخلاص ناسك، وهمة رجل جاء من الجنوب المنسي، بحثًا عن مكان وسط الزحام في القاهرة التي أخذت النصيب الوافر من كل شيء. وقد أدركت مبكرا أن الكتابة تحتاج إلى تفرغ، فأعطيتها ما طلبت، وأحلت نفسي إلى تقاعد مبكر، وعمري لم يكن قد تجاوز الثالثة والأربعين سنة، وأوجه طاقتي إلى القراءة والكتابة، لأنها همي وانشغالي ومكمن دوري الأساسي في الحياة، ولهذا توالت أعمالي على النحو الذي تراه، فكل يوم يمر عليَّ دون أن أقرأ فيه جديدا، وأكتب مختلفا، أشعر أنه قد ذهب سدى.
بالنظر إلى مؤلفاتك نجد منها ثلاثين كتابًا في مختلف ألوان الإبداع الأدبي وثلاثين كتابًا في الاجتماع السياسي والنقد الثقافي والتصوف.. ما الوجه الأقرب إلى نفسك؟
الإبداع الأدبي هو الأقرب إلى نفسي، وقد كتبت فيه رواية وقصة قصيرة وقصية قصيرة جدا ومسرحية وشعر ونقد، وكان الأدب سابقا على البحث فيما كتبت وما نشرته، وأحاول حتى في دراساتي المرتبطة بعلم الاجتماع السياسي أن أبحث عن المناطق غير المألوفة وغير المأهولة أو المجهولة، والتي تحتاج هي الأخرى إلى إبداع، وإن مارست السياسة في الحياة فمن منبر "المثقف العضوي" حسب تعبير جرامشي، وهي ممارسة تفيدني أيضا ككاتب وباحث، يؤمن بأن النظريات تولد من رحم الميدان الاجتماعي، وأن المعرفة لا تهديها لنا الكتب فحسب، إنما ما نسمعه من الناس، وما نتأمله من طرائق عيشهم، لاسيما في بلد عريق مثل مصر.
إلى جانب حضور السياق الاجتماعي نلاحظ حضورا للفلسفة في كتاباتك فما العلاقة بين الأدب والفلسفة، وماذا عنها، ومن هم أكثر الذين حملت أعمالهم رؤى فلسفية؟
- نعم توجد علاقة وطيدة بين الأدب والفلسفة، وهناك تأثير متبادل بين الفلسفة والأدب بكل ألوانه من رواية وقصة وشعر ومسرح، وقد ألقيت محاضرة كاملة عن هذا الموضوع في جامعة المنوفية في ندوة عقدها قسم الفلسفة بكلية الأداب بالجامعة، وكان الدكتور صلاح عثمان رئيس قسم الفلسفة بالكلية مشرفا وحاضرا ومشاركا في هذه الندوة، وأبرزت في محاضرتى الجوانب الجمالية والتقدمية في الفكر الفلسفى وتطبيقاته في الواقع المجتم، والعلاقة بين الأدب والفلسفة قضية شغلتنى كثيرا في الفترة الأخيرة، من منظور أشمل وأعم ، وهو علاقة الأدب بمختلف العلوم الإنسانية والتطبيقية، و هناك أدباء حملت أعمالهم رؤى فلسفية مثل الأديب المصرى العالمى الراحل نجيب محفو، وهناك فلاسفة طرحوا أفكارهم بطريقة أدبية مثل أرسطو ونيتشة وآخرين، وهناك فلاسفة كتبوا أدبا لافتا وخالصا، مثل ، سارتر.
يتجلى الجانب الفلسفي أكثر في بعض أعمالك الروائية والقصصية في حضور التصوف، فما الذي يمثله لك كأديب ومفكر سياسي؟
التصوف مهم في الحياة وليس في الأدب فقط ، وكل النقاد والأدباء لمسوا تأثرى الشديد بالتصوف في رواياتي، خاصة شجرة العابد وجدران المدى وحكاية شمردل وسقوط الصمت، ونحن الآن في أمس الحاجة للتصوف، بعد أن بلغ الظمأ الروحى أشده، ووصل التردى الأخلاقى مداه، فالتصوف يعزف على وتر إنساني مشترك، وهو المشاعر،وهذا يجعل الناس يتشابهون ويتطابقون في حسهم الإنسانى ويجعلهم يتمسكون بهذا الرباط التسامحى المتين، والتصوف أفادنى في إبداعاتي الأدبية، لأنه يمتلك ميراثا لغويا عميقا وجزلا، يتجاوز الزمان والمكان، ويتذوققه المختلفون معه في الثقافات والأديان.
ماهى رؤيتك للخيال في الأدب وللشخصيات المتخيلة في السرد الروائى، خاصة وأن لك روايات بها شخصيات متخيلة؟
رؤيتى أن الأديب هو ابن الخيال، ولكن لا بد أن يكون خيال له صلة بالواقع، حتى تكون شخصيات الرواية مشوقة ومؤثرة ومعبرة عن الواقع المعيش وعاكسة لأحلام وآلآم وهموم الناس، فالأديب عندما يتخيل شخصية أو ينتج شخصية متخيلة ، فلا يمكن أن يكون ذلك منفصلًا عن ثقافته وأحرمه وأشواقه وإدراكاته، ورغبته في الانطلاق من الواقع إلى آفاق أوسع، والخيال يكون مناسبا بشكل أكبر في النص السردى كالقصة والرواية مقارنة بالنص الشعر يا. الذى يعتمد على التصوير والتجسيد.
لماذا تهتم بالنقد الأدبى والتأليف فيه، حيث إنك ألفت أربعة كتب على الأقل في النقد الأدبى والثقافي؟
- لأنه مجال مهم جدا للأديب والكاتب، وأفعل ذلك أحيانًا بدافع الحب لهذا المجال، وأحيانًا أفعله بناء على طلب صحف ودوريات أدبية وندوات تطلب منى رؤى نقدية لبعض الروايات والقصص، وفى كتابى "بهجة الحطايا: على خطى نجيب محفوظ" وضعت بعض تصوراتى عن أدب هذا الأديب العالمى، ولى أيضا مقالات نقدية عن بعض الأعمال الروائية والقصصية التي ظهرت في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، واتبعت فيها منهجا يمزج بين قراءة النص من داخله دلاليا ومن خارجه عبر رصد وتحليل تأثير السياق الاجتماعي عليه.
إلى أي حد يتفاعل السياسى والروائى والصحفى بداخلك؟
في أطروحتي للدكتوراه التي كان عنوانها "القيم السياسية في الرواية العربية" أيقنت أن الروائي إن كان فنانا بالطبع فهو أيضا عالم اجتماع صاحب بصيرة، لا يطرح تصوره وفق مسار برهنة واستدلالات منهجية لكن من خلال سرد يخضع لأحوال الفن وشروطه. في الوقت نفسه فالسياسة بمفهومها الواسع لا يمكن تفاديها، حتى لو كنا نكتب نصا جوانيا أو جسديا صرفا أو متعلقا بمسألة هامشية وصغيرة وضيقة أو حتى نفسية بحتة، ولهذا كان نجيب مخحفوظ يقول دوما: "لايوجد حدث فني، إنما هو حدث سياسي أو اجتماعي نعالجه بطريقة فنية" وكانت توني موريسون الأديبة الأمريكية الحاصلة على نوبل أيضا تقول: "السياسة تلاحق الأدب أينما ذهب ولا فكاك منها"، وهذا الرأي يأخذ بالطبع في اعتباره أن الأدب لا يجب أن يتحول إلى بيان أو منشور أو أيديولوجية أو وعظ، وهي مسألة تحظى لدي، كما غيري من الروائيين، بأهمية قصوى، لكن دراسة المجتمع والأحوال السياسية أو معرفتها أو الإحاطة بها أو التفاعل معها، قد يمنحنا الإطار أو السياق الذي تدور فيه سردياتنا الأدبية، ويمكن أن يمدنا أيضا بالحكايات والحيل والتقنيات والمواقف.
ومع كل هذا كان للصحافة فضل علي في جعلي أكتب ما يفهمه الناس، مهما كان عمق وتجريد القضايا التي أتناولها، أو صعوبة الأجواء وتعقيد الشخصيات التي أرسم ملامحها في أعمال الروائية والقصصية.
تقول في سيرتك أنك قد قرآت آلاف وترى أن من قرأ كل هذه الكتب لا يهان؟ فهل ترى أن قراءة الكتب ترفع من قيمة الشخص؟
يجب أن يكون الأمر على هذا النحو، فالثقافة التي لا تمنح صاحبها الامتلاء بالكرامة، والرغبة الجارفة في الكفاح من أجل الحرية، والشعور بأحوال الناس وأشواقهم، والتصرف بما يليق، لا فائدة منها.
كيف ترى حال المثقف الآن، لاسيما أن كثيرين يشعرون بعدم جدوى ما يقدمونه سواء لأنفسهم وأهلهم أو للمجتمع عموما؟
المثقفون محاصرون في العالم العربي، وما يتاح لهم من حرية لا يكفي كاتبا واحدا، مثلما قال يوسف إدريس ذات مرة. والكتابة ليس بوسعها أن تقدم لأصحابها الحياة المادية الكريمة التي تليق بهم، لذا بعضهم يضطر إلى امتهان مهن أخرى ليقتات منها، وبعضهم يتحول إلى بوق للسلطة حتى تمن عليه ببعض ما لديها من أموال ومناصب، وهناك من تطحنه صروف الحياة فيهجر الكتابة قانطا. لكن ما يضني المثقف العصامي، المستكفي بالكتابة، والمستغني عما بيد السلطان، هو ألا يجد لكلمته صدى في المجتمع الذي يحلم له بحياة أفضل، أو ألا يقدر الناس قيمة الكلمة، ويعتبرونها عملا لا جدوى منه.
|