القاهرة 21 نوفمبر 2025 الساعة 01:43 م

كتبت: د. إنجي عبدالمنعم
• بصمة ذهبية في السينما: "مصر الخير" تستخدم "القوة الناعمة" لتغيير صورة الغارمات من مُدينات إلى ضحايا.
• سُلطة الفقر وحق الحكاية.
في مواجهة العالم القاسي حيث يُختزل الإنسان إلى مجرد رقم في سجل الديون، تبرز السينما كجسر للعبور من الإحصاء البارد إلى الحقيقة الملتهبة. إنها السُلطة الناعمة للفن، القادرة على تفكيك الأحكام المسبقة وإعادة تشكيل الوعي الجمعي تجاه واحدة من أكثر القضايا إيلاماً: قصص الغارمات.
وعلى هامش فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي الـ 46، تحولت شاشة العرض إلى منبر للعدالة مساء أمس الخميس، حيث عُقدت ندوة متخصصة بعنوان "الغارمات: كيف تُروى أصواتهن على الشاشة" بقاعة أوبليسك 2 بفندق سوفتيل النيل، وذلك عقب العرض الخاص للفيلم الوثائقي "فاطمة" للمخرج مهند دياب. شهدت الندوة، التي أدارتها الإعلامية هالة السيد، حضوراً لافتاً على رأسهم الدكتورة حنان الدرباشي، رئيس قطاع التكافل الاجتماعي والغارمين بمؤسسة مصر الخير، والمخرج دياب نفسه.
وقد استُهلت الندوة بكلمة افتتاحية ركزت على الأبعاد الاجتماعية لقضية الفقر، واصفة مرحلة "الحاجة والاستدانة" بأنها تمثل "أقصى درجات المعاناة الإنسانية"، التي تتطلب معالجة جذرية. ومن هذا المنطلق الفلسفي، يمثل فيلم "فاطمة" صرخة فنية حقيقية، حاملاً صوت كل امرأة أرادت "ستراً" لأسرتها فكاد أن يسدل عليها ستار السجن.
• المحور الأول: القوة الناعمة تفكك النمطية وتطالب بالحماية.
إن ندوة "الغارمات: كيف تُروى أصواتهن على الشاشة" كانت إعلاناً عن استراتيجية جديدة لمؤسسة مصر الخير، اعتمدت فيها على الفن كأداة تأثير غير تقليدية. فقد أكدت الدكتورة حنان الدرباشي أن الهدف الأساسي هو "استخدام القوة الناعمة" للابتعاد عن الطرق النمطية في مخاطبة المجتمع، والتي فقدت فعاليتها، مثل الاكتفاء بالإحصائيات التي تذكر وجود 80 ألف غارمة.
وإذ تؤكد الدرباشي على ضرورة تغيير الصورة الذهنية السائدة، فإنها ترفض اختزال قضية الغارمة في الأنماط الاستهلاكية كالمغالاة في جهاز الابنة. بل ترى أن الاستدانة غالباً ما تكون وليدة حاجة قاهرة ووجودية؛ من احتياج للمال للعلاج أو توفير الغذاء، مما يضطر السيدة للتوقيع على إيصال أمانة. ومن هنا، يتحول تصنيف السيدة المدينة من "غارمة" إلى "ضحية" تحتاج إلى حماية اجتماعية وقانونية.
وعلى الرغم من الحجم الهائل للتحدي، حيث تستقبل المؤسسة سنوياً ما لا يقل عن 30 ألف حالة، فإنها تختار ما بين 5 إلى 7 آلاف حالة فقط ممن تنطبق عليهم المعايير الإنسانية، رافضةً الطلبات المندرجة تحت الأنماط الاستهلاكية، وضربت مثالاً بسيدة طالبت بسداد ثمن هاتف "أيفون".
• المحور الثاني: رؤية المخرج.. تحويل المعاناة إلى نموذج وقدوة
وفي تحليله للمنهجية الفنية، أوضح المخرج مهند دياب، الذي يمتلك سجلاً حافلاً بأكثر من 150 فيلماً وثائقياً، أنه لم يتعامل مع الغارمة كـ"مشكلة" يتم تناولها سطحياً، بل كـ"إنسان يمتلك حدوتة" متكاملة الجوانب الدرامية. وبناءً عليه، يهدف الدخول للقصة من "الباب الإنساني والدرامي" إلى تحريك الجمهور نحو مجال التبرعات بشكل أعمق، عبر إظهار أبعاد أخرى للغارم قد يكون سببها الفقر الشديد، أو الحاجة الماسة، أو حتى "فعل نبيل لمراعاة ابنتها".
وكشف دياب عن الجهد الإنساني خلف الكاميرا، حيث قضى مع بطلة الفيلم "الحاجة سعيدة" ما يقرب من ستة أشهر لتحويل حكايتها الواقعية إلى سيناريو. وعلى الرغم من خجلها الشديد وعدم رغبتها في التصوير، نجح المخرج في إقناعها بتصوير القصة من خلال توضيح أن استخدام "القوة الناعمة للسينما" سيجعل قصتها تمثل "نموذجاً وقدوة" للكثيرين.
• المحور الثالث: حصاد التجربة ومبادرة "الفن في خدمة المجتمع".
وفي سياق تقييم التجربة، أشارت الدكتورة الدرباشي إلى أن ردود فعل الجمهور في المهرجانات كانت "هايلة"، إذ يخرجون وهم "غير متخيلين" الأبعاد الحقيقية للقضية. فالهدف الأساسي هو إيصال رسالة للمجتمع بأن الغارمة "ليست مجرمة"، بل استدانت "لغرض شريف".
وعلى الصعيد الفني، أسفرت المشاركة في خمسة مهرجانات سينمائية عن ردود فعل إيجابية واسعة، حيث أبدى عدد كبير من صناع السينما وكتاب السيناريو استعدادهم للمساعدة في تناول القضية بشكل مسؤول، كما أعلنت نقابة المهن السينمائية عن دعمها للمبادرة.
وتتويجاً لهذا التوجه، كشفت الدرباشي عن إطلاق مبادرة جديدة بالتعاون مع أكاديمية الفنون بعنوان: "الفن في خدمة المجتمع". وتهدف هذه المبادرة إلى دمج طلاب مشاريع التخرج داخل المؤسسة لحضور اللقاءات، كي يخرجوا بقصص واقعية "بأبعادها الحقيقية" تنبض من قلب النسيج المجتمعي، بدلاً من الاعتماد على الخيال.

