|
القاهرة 19 نوفمبر 2025 الساعة 06:17 م

بقلم: د. حسين عبد البصير
لا يمكن الحديث عن مسيرة بعث الحضارة المصرية في عصرنا الحديث من دون الوقوف طويلًا أمام الدور المحوري الذي يقوم به الرئيس عبد الفتاح السيسي في هذا الشأن، حيث أدرك منذ اللحظة الأولى أن قوة مصر الحقيقية ليست فقط في حاضرها، بل في تراثها الممتد عبر آلاف السنين، في تلك الجذور العميقة التي صنعت الهوية المصرية وشكّلت مثالاً للإبداع الإنساني عبر التاريخ.. لقد جعل الرئيس السيسي من استعادة الوعي بالهوية الحضارية مشروعًا وطنيًا شاملًا، ليس على مستوى الثقافة وحدها، بل على مستوى بناء الدولة الحديثة وترسيخ مكانتها بين الأمم.
منذ توليه المسؤولية، أولى ملف التراث اهتمامًا غير مسبوق، إدراكًا منه أن الحضارة ليست مجرد ماضٍ نحتفي به، بل قوة ناعمة تعزز مكانة مصر عالميًا وتنعش الاقتصاد المصري من خلال السياحة، وتعيد الثقة للمصريين في ذواتهم وفي قدراتهم على الإبداع والإنجاز. وهكذا تحوّل التراث إلى ركيزة من ركائز الدولة الحديثة، ووسيلة لبناء المستقبل قبل أن يكون مجرد احتفاء بالماضي.
وكانت المشروعات الكبرى التي أُطلقت خلال السنوات الأخيرة دليلًا واضحًا على هذه الرؤية. فقد جاءت عملية تطوير منطقة الأهرامات وإعادة تنظيمها لخدمة السائحين بوصفها خطوة مهمة تعيد للمنطقة مكانتها اللائقة كأعجوبة الدنيا الأولى. ثم جاءت الموكب الذهبي لنقل المومياوات الملكية من المتحف المصري بالتحرير إلى المتحف القومي للحضارة المصرية في حدث أبهر العالم، ليقدم صورة جديدة لمصر القادرة على تحويل تاريخها إلى عرض عالمي يجمع بين الأصالة والتكنولوجيا والفخامة.
وتوّجت هذه الجهود باقتراب افتتاح المتحف المصري الكبير، حلم الفنان فاروق حسني الذي بدأ قبل عقود، لكن اكتماله لم يكن ليحدث لولا دعم الرئيس السيسي وإصراره على أن يكون المتحف منارة عالمية ومركزًا حضاريًا، وواجهة لمصر كما ينبغي لها أن تكون. فقد تابع الرئيس المشروع في أدق تفاصيله، ووفّر له كل ما يلزم ليخرج بالصورة التي تليق ببلد صنع أول حضارة على وجه الأرض. هذا المتحف ليس مجرد مبنى؛ إنه رسالة حضارية وسياسية واقتصادية تُعيد رسم صورة مصر في الوعي العالمي.
كما أولى الرئيس أهمية كبيرة للبعثات الأثرية المصرية، التي حققت خلال عهده سلسلة من أعظم الاكتشافات في تاريخ علم المصريات، من سقارة إلى الأقصر والجيزة والدلتا. هذه الاكتشافات التي تُعلن للعالم كل بضعة أشهر لم تكن لتتحقق لولا الدعم السياسي الكامل، وتشجيع الدولة للكوادر المصرية، وإيمان الرئيس بأن علماء الآثار المصريين قادرون على قيادة الاكتشافات الكبرى، وأن مصر يجب أن تستعيد دورها الريادي في علم الآثار.
ولم يقف الأمر عند الاكتشاف والمتاحف فقط، بل امتد إلى حماية التراث، وترميم المباني التاريخية، وإحياء شوارع القاهرة الخديوية والإسلامية، واستعادة روح العاصمة القديمة وجمالياتها المعمارية. كما شهدت المدن التاريخية مثل الأقصر وأسوان عمليات تطوير غير مسبوقة، أعادت إليها صورة المدن الأثرية الحية التي يقصدها العالم.
إن الرئيس السيسي يعيد صياغة العلاقة بين المصريين وحضارتهم، ويجعل من التراث قوة وطنية ودولية. ففي عهده، أصبح الاحتفاء بالحضارة المصرية جزءًا من الهوية المعاصرة، وأداة لتعزيز القوة الناعمة، ومصدرًا للفخر القومي، وركيزة للتنمية الاقتصادية والثقافية.
وهكذا، يمكن القول إن دعم الرئيس السيسي لبعث الحضارة المصرية ليس مجرد قرارات أو مشاريع، بل رؤية شاملة تعيد لمصر دورها الذي تستحقه: أمّ التاريخ، وصانعة أولى الحضارات، ونموذجًا لبلد يعرف كيف يقرأ ماضيه ليبني مستقبله.
|