|
القاهرة 18 نوفمبر 2025 الساعة 09:37 ص

بقلم: كريم عبد السلام
الشاعر فى نظر آرتور رامبو -والمبدع عموما- يعبر بالضرورة عما لا سبيل للتعبير عنه ، من خلال الوصول إلى الحد الأقصى من الوعى الانفعالى بتفاصيل الحياة وجوهرها ومبتغاها، أليس المريض الأكبر والمجرم الأكبر والملعون الأكبر والعارف والرائي الأعظم بين الناس؟
رامبو يلتقط هذه النظرة من الجانب الديونيزى الغارق فى اللذات ، بحسب تجربته الذاتية المتطرفة وبصيرته النافذة فى سن الصبا ومقتبل الشباب، لكن موقفه من ضرورات الإبداع، لا يتعارض مع ما ذهب إليه ستيفن سبندر من ضرورة السعى وراء نظرة واسعة وشاملة للحياة ، فهناك من يلتقط هذه النظرة الشاملة للحياة من مفهوم اللعب أو الاستغراق فى الملذات الحسية، فاللعب هو علامات الطفولة الباقية فى الذاكرة وهو الخيال الباقى معنا منافسا الوعى ومتصادما معه فى ضرورة البحث عن رؤى جديدة للعالم ، كما أن الخيال واللعب عنصران أساسيان من عناصر الأحلام التى ترافقنا وتصحح مساراتنا وتمنحنا الرؤى والاستمرارية كل يوم.
الخيال والانفعال الشجاع ، هما ما يمكنا المبدع فى أى حال ، سواء كان فرحا أو حزنا ، من تغيير العالم افتراضيا ، بالإجابة عن سؤال سبندر ، لماذا تجرى الأمور على هذا النحو بينما من الممكن أن تجرى على نحو آخر؟، وما موضع الشجاعة هنا ؟ إنها القوة الدافعة والإرادة التى تمكن المبدع الواعى بتراجيدا الموت فى قلب الحياة ، أن يناهض العالم وأن يسعى لتغييره ، رغم يقينه بالفشل ، مثلما يعلم يقينا أه لن يستطيع إيقاف عداد الموت الذى يتكتك مثل الساعة معلنا لحظة بعد لحظة أفول الحياة!
وفى الإبداع أيضا جزء أساسى من ذاكرة الأسلاف القدامى، الشجعان الذين واجهو الأسود بأيديهم العزلاء كما انتصروا على وحوش البحار أيام الفيضان الكبير الذى أغرق الأرض، تلك الذاكرة التى تنبض بصور واهنة مغبشة عن لحظات انتصار سريعة وصرخات مجنونة يعقبها اختطاف البطل الشعبى بين فكى وحش جديد ، ومع ذلك لا يبقى من البطل الشعبى على ذاكرتنا إلا محاولته تغيير المصير والصمود أمام الوحوش والكوارث والبقاء على قيد الحياة وسط الموت الذى يمور ويرتفع مثل دوامة حتمية فى البحر الكبير.
إذن هل يمكن مقارنة الخيال الإنسانى والذاكرة الإنسانية والإرادة الإنسانية والمعارف الإنسانية والشطحات والإشراقات الإنسانية ، بمجموعة من الملفات الإبداعية المخزنة فى آلة وكل ما لديها هو إجراء التباديل والتوافيق مما خزن عليها لتستحضر الموضوع المطلوب منها صناعته؟
دعونا نسأل سؤالا قد يبدو ملفتا .. لماذا لم تظهر حادثة الرجل البلجيكى المنتحر بعد محادثاته مع روبوت الذكاء الاصطناعى فى اليابان أو الصين مثلا ؟ لا يمكن القول بأن اليابان أو الصين أقل تقدما فى توظيف تقنيات الذاء الاصطناعى واستخدام الروبوتات من الولايات المتحدة أو الغرب، لكن الفارق أن المنطق الحضارى وهيمنة القيم الصراعية والسلعية الحاكمة فى الغرب ، تختلف تماما عن المحيط الثقافى والمنطق الحضارى السائد فى بلاد المشرق ومنها بالطبع اليابان والصين. فالطيف الحضارى والثقافى الغربى يقوم على قيمة الصراع والعدوان كقيمة حاكمة للحياة ، ولذلك لابد للغرب السياسى المهيمن على العالم من عدو ، وإن لم يجد العدو يسارع إلى خلق عدو وشيطنته ثم إعلان الحرب عليه وتدميره واحتلال أراضيه واغتصاب ثرواته ، ورأينا بعد الحرب العالمية الثانية كيف تحول الحلفاء ضد المعسكر النازى إلى أعداء بفضل السياسات الأمريكية التى عمدت إلى تشويه الفلسفات الاشتراكية وإعلان الحرب الباردة على المعسكر الاشتراكى بقيادة الاتحاد السوفييتى السابق ، إلا أنه وبمجرد انهيار الاتحاد السوفييتى فى 1991، خرج علينا برنارد لويس ودانيال بايبز، وغيرهما من منظرى السياسة فى الغرب بضرورة استبدال الخطر الأخضر أى العالم الإسلامى بالخطر الأحمر أى الاتحاد السوفييتى والبلاد الدائرة فى فلكه، ثم مالبث برنارد لويس أن كتب ورقته الشهيرة عن صراع الحضارات التى طورها بعد ذلك صامويل هانتنجتون فى كتابه الشهير الذى حمل العنوان نفسه ، وكرس فيه لضرورة الصراع بين الأمم باعتباره قانونا جدليا لاستمرار الحياة والعالم ، وبالفعل دخل العالم الغربى فى صراع شرس مع دول العالم الإسلامى ، حيث تم تدمير أفغانستان والعراق والسودان واليمن وليبيا وسوريا وغيرها من البلدان ، ثم بدأت القوى الغربية صراعا جديدا مع روسيا والصين نشاهد فصوله حاليا ولا نعرف إلى أين سينتهى بالضبط.
وللحديث بقية..
|