|
القاهرة 18 نوفمبر 2025 الساعة 09:36 ص

بقلم: د. هويدا صالح
يظل البحث الأنثربولوجي عن تأثيرات وترددات الثقافة الإسلامية في الكتابات العالمية، موضوعا بحثيا مفضلا للنقاد العرب، وربما يأتي هذا الانشغال بالبحث في ترددات وتأثيرات هذه الثقافة في المشهد الإبداعي العالمي هو نوع من النوستالجيا لعصر كانت فيه هذه الثقافة هي الأكثر تأثيرا في العالم، وربما يكون هذا الانشغال نوعا من الحسرة المضمرة على التردي المحزن الذي وصل إليه حال العرب بين الأمم في عصرنا الحالي.
ويأتي موضوع التأثير الإسلامي في الكوميديا الإلهية لدانتي أحد أهم هذه التساؤلات التي طرحها باحث بقامة صلاح فضل،في كتابه"تأثير الثقافة الإسلامية فى الكوميديا الإلهية لدانتى" الذي صدر في طبعة جديدة(2018) عن منشورات الربيع بالقاهرة. ويتساءل فيه صلاح فضل عن تأثيرات هذه الثقافة في محاولة جادة لاستقصاء جهود الباحثين العرب الذين تنبهوا لترددات تلك الثقافة في الكوميديا الإلهية.
ويرى فضل أن الاهتمام بهذا الموضوع لم يكن وليد اليوم، وإن كانت هذه أول مرة يـُعرض فيها بشكل وافٍ باللغة العربية، مستعرضا جهود الباحثين في مناقشة الموضوع منذ أوائل القرن العشرين، حيث" نبت في مخيلة عالم إسباني ضليع أمضى عمره في معايشة التراث العربي والذخائر الإسلامية أن ما يحفل به هذا التراث من صور الدار الآخرة وأدب المعراج يكمن وراء أنضج وأقوى أثر أدبي أوربي في العصور الوسطى وهو ملحمة دانتي الخالدة، فعكف عشرين عامًا يعالج مصادره ويبحث طرائقه حتى أخرج نظريته في هذا التأثير نموذجًا منهجيًا في الدراسات المقارنة المحكمة.
وكانت مفاجأة مذهلة لأبناء الثقافة الأوربية؛ فعز عليهم أن يعترفوا بالدين للثقافة العربية الإسلامية في مرحلة عطائها الخصب، ونشبت معركة علمية حادة بين هذا الباحث المتمكن «أسين بالاثيوس» ومن اكتسبتهم نظريته من أنصار وبين من ينكرون ذلك العطاء. وبعد ثلاثين عامًا من تاريخ بدء الجدل الساخن اكتشفت وثيقة دامغة تؤيد النظرية وتقطع السبيل على حجج منكريها".
ويرى فضل أن مناقشة هذه القضية ومثلها من قضايا التأثير والتأثر بين الثقافات هي من أهم مجالات اشتغال الأدب المقارن الذي قطع خطوات كبيرة في القرن العشرين، ومع ذلك ظلت هذه القضية غائبة عن اهتمام الباحثين العرب فترة، فلم تترجم هذه الدراسات مع شدة حاجتنا إليها ونحن نؤصل لمناهج الأدب المقارن في جامعاتنا، ولم تعرض نتائجها بما تستحقه من عناية وإحاطة مع أنها تعطي لنا دفعة قوية من الثقة المدعمة بالبراهين العلمية في ثقافتنا القومية وتحفزنا إلى الاعتزاز الواعي بتراثنا وتساعدنا على التخلص من حساسية المتخلف الذي يخشى عواقب الاتصال الفكري على أصالته، مع أنه شرط جوهري لتغذيتها وإنمائها.
إلا أنه رغم ذلك يستعرض جهود علماء وباحثين مصريين أسهموا بجهدهم في تنوير القارئ العربي وإضاءة بعض جوانب هذه القضية، ويرى أنه آن لأوان كي يُفرد لكل موضوع بحوثه المستقلة الوافية؛ كي يحدث أثره المنشود في وجداننا القومي.
وقد أشار فضل إلى أهم الدراسات التي اهتمت بالموضوع مؤكدا أن كتاب" التصوف الإسلامي العربي: بحث في تطور الفكر العربي" لعبد اللطيف الطيباوي الذي صدر في القاهرة عام 1928 من أوائل هذه الكتابات التي عالجت هذه القضية المقارنة، حيث بحث المؤلف في روايات الإسراء والمعراج كمصدر للكوميديا والتراث الأدبي والصوفي عند المعري وابن عربي، ثم حلل بعض العناصر الصوفية كما وردت في "الفتوحات المكية" موضحًا مشابهتها لأجزاء الكوميديا الإلهية لدانتي. كما ناقش الطيباوي في القسم الثالث الأقاصيص النصرانية والأساطير الأوربية التي كانت شائعة في العصور الوسطى قبل دانتي، وكانت بدورها مستقاة من مصادر عربية إسلامية، وفي القسم الرابع رجح الطيباوي انتقال تلك الأفكار الإسلامية إلى أوربا المسيحية عامة وإلى دانتي خاصة بوسائل متعددة من تجارة وحركة حجيج وحروب صليبية ونشاط تبشيري، وحدد أهم مواقع التقاء الثقافات حينئذ، وهي صقلية، ثم إسبانيا خاصة في طليطلة وقرطبة وإشبيلية على مدار عدة قرون.
وقد نبه الباحث إلى أن المستشرق الفرنسي الأستاذ «بلوشيه» كان أول من أشار إلى أصل الكوميديا الإسلامي والتمسه في التراث الفارسي، لكنه عجز عن إثبات ذلك بالبرهان.
وأخذ الطيباوي ـ بحسب صلاح فضل ـ في شرح الملابسات التاريخية والثقافية التي تُرشِّح وتُعزِّز فكرة التأثير، فوضَّح أن دانتي كان معجبًا بالثقافة الإسلامية، وقد مكنته وسائل اتصال أوربا بالإسلام من الاقتباس منها والتأثر بها «فإذًا ثبتت أسبقية الآداب الإسلامية لغيرها وبالتالي دانتي، واتضحت المشابهة بين هذه الآداب وما جاء به الشاعر الفلورنسي، وأمكن القول بانتقال هذه الأفكار فقد اتصلت الحلقة دون انقطاع، وإذن فنظرية أصل الألعوبة (يقصد الكوميديا) الإسلامي أمر لا يمكن جحده».
ثم يشير فضل إلى كتاب هام ناقش هذه القضية هو كتاب الناقد الراحل غنيمي هلال الذي أصدر كتابا هاما هو " الأدب المقارن" عام 1953، وفيه عرض لقضية التأثير الإسلامي في الكوميديا الإلهية في نطاق الحديث عن الملحمة كجنس أدبي تضافرت الآداب المختلفة على إنمائه وتطويره، فوضعت القضية منذ ذلك الوقت في إطارها الملائم، كما كان قد نُشِر في إسبانيا وإيطاليا حينئذ نص وثيقة المعراج التي قدمت الدليل الحاسم على صدق النبوءة الأولى، فعرض غنيمي هلال لتاريخ الموضوع وأشار إلى أهم تطوراته ونتائجه، والتقط بضعة مشاهد من وثيقة المعراج كأمثلة عامة موضحا عمق تأثيرها في الكوميديا الإلهية بعد أن قدم ملخصًا لها أبرز فيه طابعًها الديني الرمزي.
ثم أشار صلاح فضل في عرضه لتاريخ اهتمام الباحثين العرب بقضية تأثير الثقافة الإسلامية في الكوميديا الإلهية إلى جهود عبد الرحمن بدوي في كتاب" دور العرب في تكوين الفكر الأوربي"، حيث أورد بدوي حديثًا مطولًا من الفتوحات المكية وعن مواقف الحشر الخمسين التي يبلغ طول كل منها ألف عام، وسرادقات الحساب يوم القيامة، بحجة أن «هذا الوصف المفصل الدقيق لمرحلة الأعراف نجد له نظائر عديدة ومطابقة عند دانتي.
وقد انتقد صلاح فضل بحث عبد الرحمن بدوي حيث يقول :"من الواضح أن الدكتور بدوي لم يطلع على كتاب «سندنينو» اللهم إلا إطلالة عجولة على عنوانه فحسب؛ لأنه لا توجد بين يدي الباحثين هذه الترجمة الإسبانية، بل هي مفقودة مع الأصل العربي، حتى ليظن بأنها كانت مجرد مسودة للترجمتين اللاتينية والفرنسية طرحت بعد استخدامها، وكل ما فعله «سيندينو» أنه قام بتلخيص واف للوثيقة، وعرضها باللغة الإسبانية الحديثة – وهذا ما أفدت منه في عرضي- وهي تختلف عن القشتالية القديمة التي ترجم النص إليها أولا".
ثم يستعرض صلاح فضل جهود إبراهيم عبد الرحمن في كتابه"دراسات مقارنة" الذي صدر عام 1975، حيث خصص الكاتب فصلا عن "الأصول الإسلامية للكوميديا الإلهية" قام فيه بعقد مقارنة علمية خصبة بين الرموز الدينية والاجتماعية عند دانتي ونظائرها في رسالة الغفران للمعري، مبرزًا الطابع الذاتي والمستوى الفني لهذه الرموز، وكيف كانت تتكيف لدى كل من الشاعرين بالمناخ الثقافي والسمت الحضاري لعصره، ثم أوضح إبراهيم عبد الرحمن أن التشابه بين دانتي والمعري يشمل فلسفة أثريهما وشكلهما الفني معًا، وأورد عديدًا من الأمثلة التي تشهد على ذلك.
ثم يعرض صلاح فضل لآخر بحث يعتبره جادا في هذا الموضوع وهو كتاب رجاء جبر الذي صدر عام 1977 بعنوان "رحلة الروح بين ابن سينا وسنائي ودانتي" وفيه حاول الباحث أن يتناول علاقة الكوميديا الإلهية بالمصادر الشرقية التي عالجت الرحلة إلى العالم الغيبي علاجًا فلسفيًا صوفيًا.
ثم يقارب الباحث موضوع التأثير بمقدمة تاريخية عن الأدب المقارن والفرق بين التأثير والتأثر، ثم يستعرض عوامل التأثير ومستوياته محللا بعض النصوص العربية التي مثّلت علامات فارقة في المدونة العربية وتأثيرها بالتالي في الكوميديا الإلهية مثل: رسالة الغفران للمعري، وكيمياء السعادة لابن عربي باحثا في العناصر الصوفية في هذه الأعمال، ومدى تأثر داني بها. ثم قام بتحليل مقارن لأجزاء الكوميديا الإلهية محللا النار الإسلامية في جحيم دانتي وتصور الأعراف والبناء الهندسي للجحيم ومشاهد النار والعذاب وإبليس وعقاب الزمهرير.
كما عرض فضل لمقارنة دقيقة بين جنة الإسلام وفردوس دانتي متحدثا باستفاضة عن موقع الفردوس ونعيم الرؤية الإلهية لباب الفردوس.
|