|
القاهرة 18 نوفمبر 2025 الساعة 09:33 ص

عبده الزرَّاع
حينما نُطالِعُ حكاياتِ هانز كريستيان أندرسون الخُرافِيَّة، نكتشفُ منذُ اللَّحظةِ الأولى أنّنا أمامَ كاتبٍ فَذٍّ بكلِّ المقاييس، إذ يُعَدُّ من أشهرِ وأعظمِ من كتبوا قصصًا للأطفال بأيَّةِ لغةٍ من اللُّغات.
فقد تُرجِمَتْ قصصُهُ إلى كُلِّ لغاتِ العالَم، وقرأها مئاتُ الملايينِ في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها.
وعلى الرَّغمِ من أنَّه كتبَ القصائدَ والرواياتِ والمسرحياتِ، فإنَّ شهرتَهُ العالميَّةَ قامت على قصصِه الخُرافِيَّةِ الطريفة، التي جاءت في وقتٍ بدأ فيه أدبُ الأطفالِ يَنالُ اهتمامَ الدُّنيا، فازدادتْ شهرتُهُ وانتشارُهُ.
وُلِدَ هانز أندرسون في مدينةِ أودِنْسِه، لأبٍ إسكافيٍّ يُجيدُ صناعةَ الدُّمى الخشبيَّة، وأمٍّ غسّالةٍ فقيرة.
كان والده شاعرًا حالِمًا لم يُمهلهُ القدرُ ليرى نبوغَ ابنِه الوحيد الذي طافت شهرتُهُ الآفاق.
وكانت أمهُ فخورةً بالغلام، لكنَّها في الوقتِ نفسهِ قلقةٌ عليه، إذ كانت تتركهُ وحيدًا لتعمل، بينما هو يسبحُ في عالَمِ الخيال، يُبدِعُ من فراغِه أفكارًا ونورًا، فصمَّم العرائسَ، ولعبَ بالدُّمى، وكتبَ القصصَ والمسرحيات، وأبهجَ الجيرانَ بصوتِه الجميل.
التحقَ في صباهُ بالمدرسةِ الخيريَّة، لكنَّهُ لم يَطُلْ فيها المقام، إذ كانَ يتهرَّبُ منها لأنَّ زملاءَهُ وبعضَ معلميهِ كانوا يسخرونَ من شكلهِ الغريب؛ فقد كان مفرطَ الطول، ذا عينينِ صغيرتينِ غائرتين، وأنفٍ ضخمٍ، وشَعرٍ أشعثَ، ومظهرٍ قبيحٍ. لكنهُ كان شديدَ الطموح، يؤمنُ بنفسِه رغمَ الفقرِ والبؤسِ. ورغمَ أنَّ أمَّهُ كانت ترى أنَّهُ وُلِدَ ليكونَ خيَّاطًا، بعد فشلِه في مهنٍ كثيرة، فإنَّهُ آثرَ طريقَ الأدبِ والفنّ، ومضى في رحلةٍ شاقَّةٍ طويلة حتّى وصلَ إلى كوبنهاجن، حيثُ تَمثَّلت له صورةُ رجلِ المستقبلِ التي آمنَ ببلوغِها مهما كلَّفَهُ الأمر.
لم يَتزعزَع إيمانُه رغمَ العَوزِ والوحدة، لكنَّ الأقدارَ قست عليه حينَ فقدَ صوتَهُ الشادي، فتَبَدَّدَ حلمُهُ بالتمثيل، فصرفَ نظرَهُ إلى فنِّ الكتابة. كتبَ مَسرحيَّتَينِ مضحكتين، وتنبّأ له النقّادُ بالنَّجاح، فاهتمَّ به موظَّفٌ كبيرٌ في الخزانةِ أَدخلهُ مدرسةً متوسّطةً بتأييدٍ من الملكِ فريدريك السادس. لكنَّ الفتى القادمَ من طبقةِ العمالِ لم يَنسجمْ مع الوسطِ الأرستقراطي، فبدَا غريبَ الأطوار، يُعاني صعوبةَ المناهجِ وسخافةَ الامتحانات.
ومع ذلك، لَم يتخلَّ عن أحلامِه التي كانت تتلألأ أمامَ عينيه، فهجرَ الدِّراسةَ وتفرَّغَ للأدب، في وقتٍ كانت فيه ثقافةُ الجمال شعارَ المرحلة، والمسرحُ الملكيُّ مركزَ الإشعاعِ الفنيِّ في الدنمارك.
كان للحكاياتِ التي كان يرويها لهُ والدُهُ صانعُ الدُّمى في طفولتِه أثرٌ بالغٌ في تخصيبِ خيالِه الأدبي.
وحين بلغَ السابعةَ عشرة، نشرَ أولى محاولاتِه الأدبيَّة بعنوان "محاولاتُ الشباب"، ثمَّ قدَّمَ عددًا من المسرحيّاتِ أهمها "كريستين الصغيرة". وسافَرَ في أنحاءِ أوروبا، فزارَ ألمانيا، وإيطاليا، واليونان، وتركيا، وتعرّف إلى ثقافاتٍ متنوّعةٍ أغنت أفكارَهُ وإبداعَهُ.
كتبَ بعد ذلك مؤلّفاتٍ متنوّعةً منها ما تناولَ تراجمَ شخصيّاتٍ واقعية مثل:"عازف كمانٍ فحسب"، ومنها ما عالجَ الكفاحَ بينَ الإيمانِ والمعرفة مثل: "البارونيتان" و"أن تكونَ أو لا تكون".
إلا أنَّ نجاحَهُ الأعظمَ جاء في أقاصيصه للأطفال مثل: "الأميرةُ الحقيقية"، "القدَّاحة"، "كلاوز الصغير وكلاوز الكبير", "رفيق السفر", "عقلة الإصبع"، وغيرها الكثير من القصص التي خلَّدته.
ولم يُدرك أندرسون فرادتَهُ الأسلوبيَّة إلا بعد أن استقبلَ العالَمُ أقاصيصَهُ بحفاوةٍ كبيرةٍ. ومع مرورِ الوقتِ صار يُعيدُ صياغتَها ويُنقّحها لتناسبَ الأطفالَ بأسلوبٍ بسيطٍ رشيقٍ، بينما تدهشُ الكبارَ بعمقِها الفلسفيِّ ورمزيتِها الإنسانية. وكان لا يكتفي بالكتابة، بل كان يقصُّ القصصَ بنفسِه على الأطفالِ في بيوتِ كوبنهاجن، حتى لُقِّبَ بـ "قصَّاصِ الجيل".
استلهمَ عالمَهُ السِّحريَّ من التراثِ الدنماركيِّ الشعبيِّ، ومن قصصِ "ألفِ ليلةٍ وليلة" التي أُتيحَتْ له في ترجماتِها الأوروبية. وكان أوَّلَ من استخدمَ أنسنةَ الأشياء، فخلعَ الشخصيَّةَ على الزُّهورِ، والحشراتِ، وجنودِ الصفيح، والكرات، وجعلَها تنطقُ وتُحسُّ وتتألَّم.
كما عبَّرَ عن حياتِه في أقاصيصِه؛ فقصَّة "البطَّة القبيحة" هي صورةٌ رمزيَّةٌ لمعاناتِه وتحقيقِ ذاته، وقصَّة "لم تكن طيِّبة" سخرَ فيها من ضعفه، بينما هاجمَ النفاقَ في "إخفاق الحظ"، وانتقمَ من خصومِه بالنقدِ الساخرِ اللاذع.
لقد حقَّقَ الفتى الدنماركيُّ الفقيرُ طموحَهُ وأحلامَهُ، ونالَ شهرةً عالميةً واسعةً، وجالسَ الملوكَ وتناولَ الطعامَ على موائدِهم. وكانت حياتُهُ في مجملِها أقربَ إلى قصَّةٍ من قصصِه الخيالية، واختتمَ حياتَهُ بعبارتِه الخالدة:
"إنَّ في الوجودِ إلهًا مُحبًّا يحكمُ الجميعَ لخيرِ الجميع".
وبعدَ رحيلِه، خصَّصت الدنمارك جائزةً عالميَّةً لأدبِ الأطفالِ تحملُ اسمَهُ، تُعَدُّ أرفعَ جائزةٍ في العالم في هذا المجال، وتُعرف بـ "نوبل الصغيرة". كما أُقيمَ له متحفٌ وطنيٌّ يضمُّ مقتنياتِه الشخصيةَ ومؤلّفاتِه، وأصبحَ من أهمِّ المزاراتِ الثقافيةِ في أوروبا.
نتذكر دوما هانز كريستيان أندرسون، الذي ملأ الدنيا حكاياتٍ وضجيجًا أدبيًّا، ولا يزالُ يُدهِشنا إلى اليومِ بخُرافاتِه المدهشة، كلّما أعدنا قراءتَها.
|