|
القاهرة 18 نوفمبر 2025 الساعة 09:23 ص

كتب: جمال الفيشاوي
في إطار فعاليات الدورة السابعة من ملتقى المسرح الجامعي الدولي باسم كوكب الشرق (أم كلثوم) خلال الفترة من 25 إلى 31 أكتوبر 2025م قدم المعهد العالي للفنون المسرحية بأكاديمية الفنون العرض المسرحي "جرارين السواقي" عن رواية الحرافيش للكاتب المصري الحائز على جائزة نوبل نجيب محفوظ، دراماتورج محمد عادل ومن إخراج زياد هاني كمال، وقد فاز العرض بالعديد من الجوائز منها:
جائزة أفضل ديكور (محمود صلاح)، أفضل إضاءة (محمود الحسيني "كاجو")، أفضل ممثل دور أول (مصطفى رأفت) عن دوره "زين الناجي"، وأفضل ممثل دور ثاني (محمد عصام الشاهد) عن دوره "ربيع العف"، وأفضل مخرج (زياد هاني كمال).
شارك العرض في عدة مهرجانات سابقة مثل المهرجان العربي في دورته الأربعين (دورة الفنانة القديرة دكتور سميرة محسن) بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وكذلك في مهرجان المسرح القومي للمسرح في دورته الثامنة عشرة ضمن مبادرة إبداع متخصص لجهود وزارة الشباب والرياضة، وفاز أيضاً بالعديد من الجوائز.
قُدمت حكايات من رواية الحرافيش لنجيب محفوظ في أكثر من فيلم سينمائي، كما قُدمت الرواية في مسلسل تليفزيوني مكون من ثلاثة أجزاء، ويعتبر العنوان هو العتبة الاولي لقراءة نص العرض فنجد رواية نجيب محفوظ هي رواية ملحمية نشرت في عام 1977م، والرواية تحكي عن عشرة قصص لأجيال سكنت حارة مصرية غير محددة بدقة الزمان ولا المكان، رصد فيها نجيب محفوظ كثيرًا من الحقائق المتعلقة بواقع حال الحارة المصرية، وهي ملحمة البحث عن العدالة، والرواية لم تبتعد عن منحنى الوجودية الذي انتحاه نجيب محفوظ، وتتحدث الرواية عن فلسفة الحكم وتعاقب الحكام ودور الشعب، والحاكم هو الفتوة الذي يمتلك السلطة والقوة المطلقة في الحارة، والذي تدين له الحارة بالولاء، ويستمد سلطته من القوة الجسدية وليس من القانون الرسمي، فهو يفرض أوامره وتُطاع، والويل كل الويل لمن يرفض أوامره، والفتوة نوعان، الأول الفتوة الظالم الذي يقمع الناس، سواء من الحرافيش أو من الأغنياء، والثاني هو الفتوة العادل الذي يعيد للحرافيش حقوقهم المسلوبة، والشعب هو الحرافيش أو بمعنى أدق المواطنون العاديون من أبناء الشعب البسطاء بأفراده وجماعاته المختلفة المقيمون داخل الحارة التي يتحكم فيها الفتوة.
أما عن اسم العرض جرارين السواقي فقد جاءت الكلمة على لسان على لوز (لؤي سامي) أن البني آدم مثل الحمار تغمى عينه ويلف، ويلف، ويقول لزين (مصطفى رأفت) كمل لف يا زين، كمل لف، فهو مثل البهيمة تظل تدور في الساقية على أمل أنها سوف ترتاح، لكنها تظل تساق إلى أن تقابل مصيرها، فكل الحرافيش جرارين سواقي فجميعهم يدور في دائرة لا نهاية لها، ولن يوجد بينهم من يمتلك قراره، أو يستطيع رفض شيء ما، أو يعترض على أي شيء، فهم خانعون، ومحنية رقابهم أمام من يحمل النبوت صاحب القوة العضلية.
تدور الفكرة الرئيسية للعرض حول من سيصبح الفتوة، ويكون الصراع بين عاشور الناجي الحفيد (زياد هاني كمال) وربيع العف (محمد الشاهد) مساعد الفتوة السابق، وتُظهر الأحداث أن كليهما له وجهة نظر في معنى الفتونه، فكان عاشور الناجي الكبير هو من رفع نبوته لنصرة المظلوم، وهو المنهج الذي يريد أن ينتهجه عاشور الحفيد، بينما ربيع العف الفتوة الجديد هو بلطجي لن ينصر أحدا فهو يستغل قوته الجسدية في تحقيق ما يراه من وجهة نظره وفرض سيطرته على الجميع.
بعد أن فرض ربيع العف سيطرته على الحارة يفرض الإتاوات على التجار ويعطي الحرافيش مبالغ زهيدة لا تغني ولا تسمن من جوع، ونجده يلقي بصرر من المال داخل النار في المستوقد الذي يطهي فيه الفول والبليلة، وبذلك تظل الحرافيش حرافيش، ويهابه التجار ويظل هو الفتوة الذي يهابه الجميع، ولكن ذلك يدل على مدى الانفصام في شخصيته، توضح الأحداث أن الصراع قائم على استلاب سلطة عائلة الناجي والقضاء عليها نهائيا ووأد العدل الذي يطالب به عاشور حفيد عاشور الناجي الكبير واستمرار سيطرة الظلم على يد ربيع العف الفتوة الجديد، لدرجة أنه أمر بتحديد إقامة شمس الدين الناجي (الحسين الشمندي) والد عاشور الناجي الحفيد وعائلته كلها داخل المنزل المقيمين فيه، وتمادي في إذلالهم بأن النساء هي من تخرج من المنزل وتحديد إقامة الرجال، وقام باستمالة زين الناجي ناحيته ليؤدب أخيه عاشور، كما أمر حليمة (لمياء الخولي) زوجة شمس الدين الناجي والد عاشور الحفيد بتأديب عاشور، الذي تعتبره ابنها وضربه على وجهه أمام جميع الحرافيش للمغالاة في إذلال عاشور وعائلته، طلب ربيع العف الزواج من صفية (ساندرا ملقي) ابنة شمس الدين الناجي وفسخ خطبتها من أحد الحرافيش، وهي التي كانت على أعتاب الزواج لمن هو مناسب لظروفهم الحالية وهو حرفوش مثلهم.
صار الدراماتورج محمد عادل على خطي نجيب محفوظ فقدم الصراعات الشخصية والخصومات التي تنشب بين الأفراد القائمة على السلطة والتقاء المصالح المشتركة بالانقضاض على الفتوة عندما تتفق عزيزة (عزة حسن) وهي من الأعيان وصاحبة المال والتي تقربت من الفتوة ربيع العف وعرضت عليه نفسها بالزواج منه، لكنه رفضها، وشيخ الحارة (أدهم هاني كمال) الذي تآمر عليه العف لقتله، وسينفذ عملية القتل زين الذي أصبح أضحوكة الحرافيش، ويقرر زين قتل العف في ليلة عرسه على شقيقة صفية، لكن العف يقتل زين بنفس الأداة التي حاول زين طعنه بها، فيضطر شمس الدين الناجي لقتل ربيع العف ليثأر لابنه، حيث إن شمس الدين الناجي رفض حمل النبوت وأن يصبح أحد الفتوات مكان والدة عاشور الناجي الذي أسس نظامًا قائمًا على العدل والإنصاف، ورغم ذلك قُتل بمؤامرة رغم أنه كان يدافع عن الحرافيش، خوفاً على أبنائه.
قدم المخرج عمل ينتمي للدراما الأرسطية والمدرسة الواقعية، وتميل أحياناً إلى المدرسة التعبيرية، كما أكد على تقديم العمل بصورة بصرية وأحياناً كان يكسر الجدار الرابع حيث إنه كان أداة فعالة في سرد بعض من الأحداث، وجعل المتلقي مشاركا فعالا، وفي حالة من التفكير والترقب والتأمل في الأحداث التي تعرض، وجذب الانتباه إلى حقيقة أن ما يعرض ما هو إلا شيء مختلق.
كان الديكور (محمود صلاح "بيرو") عبارة عن منظر واحد كبير، اهتم فيه بطراز الحارة الشعبية المصرية القديمة بألوانها البنية والأوكر (بني مصفر) ويغلب عليها الرمادي لتراكم الأتربة وقدم المكان، وقام المصمم بتقسيم المنظر لعدة أماكن حيث تدور الأحداث في أماكن متعددة، وبطريقة كتابة سيناريو السينما تحدد الأماكن داخلي، او خارجي ويتحقق ذلك بواسطة الإضاءة، وقد قام مصمم الديكور بعمل مستويات على حساب قيمة الشخصية المالية (الأعيان) أو الجسدية المتحكمة (الفتوة) أو المقهورة (الحرافيش)، ونجد أنه جعل جميع الصراعات التي تحدث داخل الحارة في أدني مستوى (على مستوى صفر)، فنجد على يمين المتلقي بعمق المسرح مائل جهة يمين الوسط وعلى ارتفاع 80 سم مكان يمثل منزل عزيزة صاحبة المال والتي تعتبر سلطة أعلى من باقي الشخصيات، عبارة عن بلكونة مطلة على الحارة يصعد إليها بأربعة سلالم وغلب عليها اللون النبيتي، وفي منتصف العمق نرى عدة درجات سلم بارتفاع ما يقارب متر ونصف المتر، وفي النهاية نجد أرش يمثل مكان الدخول والخروج من وإلى الحارة ملونًا باللون البني المصفر ويوجد مصدر ضوئي مخفي داخل العمق للتعبير عن وجود أماكن أخرى خلف سلم الدخول والخروج من وإلى الحارة، فهي الأساس وأعلى نقطة في العمل، وعلى يسار المتلقي بعمق المسرح وعلى ارتفاع ما يقارب 40سم نرى شيش بلكونة مغلقة ليعطي بُعدًا لمنازل الحارة، وأمامها غرفة داخل منزل الفتوة ربيع العف وهي بدون طلاء ويظهر طوب الحائط من الحجر الجيري لونه رمادي ليدل على قدم المكان، وبها شباك مغلق وبجوارها يسار الوسط مكان آخر به فتحة على شكل طاقة يخرج منه شعاع يمثل لهب (نار) يعبر عن مكان المستوقد لتسوية الفول والبليلة ويظهر على الحائط السناج (الغبار) الذي يخرج من الفرن ذي اللون الرمادي الغامق جدا، وهو الشخصية الأعلى من الحرافيش.
واستخدمت مقدمة المسرح على المستوى صفر كمنزل لشمس الدين الناجي وعائلته بوجود باب المنزل على يمين المتلقي، وبجوار الباب كرسي وأريكة، وباب على يسار المتلقي يمثل الدخول إلى باقي حجرات المنزل، واستخدم ثلثي نفس المكان جهة الشمال ليعبر عن خمارة يشرب فيها الحرافيش البوظة ويستمتعون بالرقص، وعبرت نفس المساحة عن ساحة خارجية للحارة؛ ينازل فيها عاشور الناجي ربيع العف على من يكون فتوة الحرافيش، وساعدت الإضاءة وتغيير الأشخاص والأحداث الدرامية على ذلك، كما استخدم المخرج سلالم الجانبين ووسط المسرح للتعبير عن أماكن جديدة، فنجد السلم الجانبي على يسار المتلقي يمثل مكان ما خارجي بالحارة ينام فيه زين بعد شجاره مع عائلته، والسلم الجانبي يمين المتلقي يمثل مكان آخر يحاول فيه عاشور اقناع أخته صفية بالهروب معه من بطش ربيع وقراره الزواج منها بالقوة، والسلم بوسط المسرح استخدم كمكان لعربخانة الحمير حيث نثر على درجاته التبن الذي تأكله الحمير، وقد التقى فيها على لوز وزين.
كانت ملابس (أميرة صابر) مناسبة للعرض المعبر عن الحارة المصرية والتي كان معظم المقيمين فيها من القادمين من كل أنحاء مصر(من الدلتا أو الصعيد) وكان معظمهم يرتدي الجلباب البلدي، وبعض من الممثلين ترتدي ملابس مناسبة للشخصية المعبرة عن الماضي زمن الحرافيش مثل ملابس عزيزة وشيخ الحارة وغيرهم.
وبالنسبة للإضاءة (محمود الحسيني "كاجو") صممت على أساس المنظر الثابت وتعدد الأماكن، فتم تقسيم خشبة المسرح إلى عدة مناطق وحسب الوقت (ليل أو نهار)، وكانت الإضاءة واقعية وطبيعية لإنارة المكان حسب الحالة الدرامية، وتم الاعتماد على ثلاثة ألوان بدرجاتهم (الأزرق، الأحمر، البرتقالي)، فنجد اللون البرتقالي مع البنفسجي ليعبر عن الخمارة، واللون البرتقالي بوهج منخفض في منزل عزيزة، واللون الأحمر المعبر عن الشر لشخصية الفتوة ربيع العف، وكذلك وهج النار الخارجة من المستوقد.
أما الموسيقى (شريف أشرف) والمؤثرات الصوتية، نجد أنه استخدم لكل خط درامي شكلا موسيقيًّا معينا باختلاف الشخصية والحدث ففي لحظات الحزن أو الانكسار استخدم الآلات الوترية مثل ( الكمان، تشيللو من الآلات الغربية، ومن الآلات الشرقية العود) أو الناي من آلات النفخ الخشبية، وعبرت الآلات الوترية أيضاً عن الفرح وكان يدخل معها الإيقاع (الطبلة)، وكذلك استخدام موسيقى تعبر عن التوتر والقلق مصاحبة لربيع العف وتصرفاته مع الحرافيش خاصة عائلة الناجي، وكانت موسيقي راقصة مصاحبة لشخصية عزيزة التي تظهر في ثوب مصرية على الرغم من أنها تدير الخمارة، وتعمل لديها أزهار (ماري جرجس) كراقصة بالخمارة، واستخدم آلة الكاخون الإيقاعية (تُعزف باليدين أو الأصابع أو الفرش على واجهاته) في المواجهات بالنبوت بين عاشور الناجي الحفيد وربيع العف، وصراع شمس الدين الناجي مع العف أيضا، مما يعبر عن القلق والتوتر، ونسمع صوتا قادما من بعيد لنهيق الحمير ليعبر عن عمل بعض من الحرافيش سكان المكان،... وهكذا، استخدم الأصوات البشرية في شكل غير مألوف فتستخدم الزغاريد من فم زوجته في موقف حزين عندما يضرب شمس الدين الناجي زوجته بالقلم للتعبير عن أنها شعرت برجولته وارتدت له هيبته، ولكنها كانت تتمنى أن يثور في وجه ربيع العف، لكنها أصدرت صيحة تعبر عن حالات الوفاة في فرح ابنتها من الفتوة ربيع العف، في تعبير عن رفضها لهذه الزيجة المجبرين عليها وأنهم لا قيمة ولا كرامة لهم.
كل التحية لكل المشاركين في العرض الذين تم ذكرهم وكذلك باقي الممثلين: عمرو حسام (جبل)، عمر عادل (مدكور)، مؤثر رفعت (المعلم رزق)، والحرافيش: عمر باركور، هشام عبد القادر، معاذ خالد، مصطفى ياسر، عمر سمير، زياد احمد، وليد محمد.
تصميم معارك (محمد بحيري)، مكياج (نادين أشرف)، مهرجان منفذين (هاني عادل، مروان جاسور).


|