|
القاهرة 18 نوفمبر 2025 الساعة 09:21 ص

ترجمة وإعداد: د. فايزة حلمي
في حين أن حوارنا الداخلي قد يكون حليفًا رائعًا، إلا أنه قد يكون مُتنمرًا بعض الشيء، إليك كيف يمكنك البدء في تبني قصة أكثر تمكينًا لنفسك وعملك وحياتك.
ماذا لو أخبرتك أن هناك أداة قيّمة في متناولك على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، يُمكنها تحسين سعادتك، ودعم رفاهيتك، وتعزيز نجاحك؟ ما أقصده هو حوارك الداخلي، ذلك الصوت الداخلي الذي نمتلكه جميعًا، والذي إما أن يدفعنا للأمام وإما يُبقينا عالقين، تلك القصص والمعتقدات التي نحملها معنا كحقيبة ظهر غير مرئية، تُؤثر على مشاعرنا وسلوكياتنا وعملنا وحياتنا، بينما قد يكون حوارنا الداخلي حليفًا رائعًا، إلا أنه قد يكون أيضًا مصدر إزعاج.
معتقدات وقصص داخلية مثل: "أنا لست جيدًا بما يكفي"، "أنا سيئ في هذا"، "لا أنتمي إلى هذا المكان". هذه بعض الأمثلة على القصص المقيِّدة التي قد تمنعك من السعادة الحقيقية والنجاح في حياتك الشخصية والمهنية.
خلال ممارستي للرعاية الصحية والطب النفسي التكاملي، تحدثت مع العديد من المرضى الذين كانوا غير سعداء بسبب قصص داخلية غير صحيّة، منعتهم هذه القصص من اتخاذ خطوات لبناء حياة أفضل لأنفسهم، كما تحدثت مع العديد من الأفراد الناجحين وكبار القادة خلال محاضراتي وبودكاست "عش حياة رائعة"، ووجدت أن جميع الناس، حتى أولئك الذين يبدون واثقين من أنفسهم للغاية، يعانون من الخوف ولحظات من الشك الذاتي وعدم اليقين.
وأظهرت دراسة أن 75% من المديرات التنفيذيات عانين من متلازمة المحتال، وبينما يعاني الكثيرون من بعض هذه المشاعر، فإن الأمر الرئيسي الذي لاحظته لدى الأشخاص السعداء والناجحين هو أنهم تعلموا كيفية التعامل مع حديثهم الداخلي وتلك اللحظات التي تظهر فيها المعتقدات المقيِّدة، فهم لا يدعون هذه المشاعر تمنعهم من اتخاذ إجراءات إيجابية والمضي قدمًا في مسيرتهم المهنية.
-
كيف تعيد صياغة قصتك الداخلية؟
إذن، كيف يمكنك البدء في تبني قصة داخلية أكثر تمكينًا؟ حسنًا، يبدأ الأمر بالوعي الذاتي، كيف يمكنك تغيير شيء ما بشكل فعال حتى لو كنت لا تعلم بوجوده؟ إحدى طرق بناء الوعي الذاتي هي اليقظة الذهنية، يمكن أن تكون اليقظة الذهنية وسيلةً مفيدةً لتوسيع مداركك حول حوارك الداخلي ومعتقداتك، يمكنك البدء بملاحظة أفكارك ومشاعرك وردود أفعالك دون إصدار أحكام، وذلك من خلال تركيز انتباهك على اللحظة الحالية وإثارة فضولك.
من المرجح أن تلاحظ بعض أنماط التفكير والسلوكيات المعتادة، قد تجد أنه إذا كانت الأمور تسير على ما يرام أو إذا تلقيت ردود فعل إيجابية، فقد يكون صوتك الداخلي يشجعك ويخبرك بتميز عملك، ومع ذلك؛ إذا واجهتك انتكاسات، أو ارتكبت خطأً، أو شعرت بالتوتر أو جرّبت شيئًا جديدًا، فماذا يحدث؟
هناك علاقة قوية وتفاعل بين أفكارنا ومشاعرنا وسلوكياتنا، ومن المهم إدراك أن الكثير من أفكارك ببساطة غير صحيحة، قد تكون بعض أفكارك مجرد آراء أو تفسيرات، والعديد من الأفكار ليست حقائق، وبعضها قد يكون أكاذيب صريحة، جميعنا لدينا معتقدات مقيدة تُحرك سلوكياتنا، وإذا تمكنت من بناء وعي حول هذه القيود، يمكنك إدراك أنه ليس عليك الاستمرار في عيش حياتك متظاهرًا بأنها صحيحة.
يمكنك اختيار مسار جديد عمدًا، يمكنك اختيار استجابة جديدة، يمكنك اختيار التشكيك في صحة معتقداتك المقيدة، وتقديم إمكانيات تمكينية أكثر يمكنك تعزيزها بأفعال واعية جديدة، يُعد العلاج السلوكي المعرفي أداة علاجية شائعة تُوسّع هذا المجال، ويمكن أن يكون مفيدًا في التعامل مع المعتقدات والأنماط المقيدة.
-
كيف تغلبت على معتقداتي المحدودة
أتذكر عندما كنت في الجامعة، واضطررتُ لحضور دورة تواصل إلزامية حول التحدث أمام الجمهور، في ذلك الوقت، لم أكن أرى فائدة من هذه الدورة لأنني كنت أخشى التحدث أمام الجمهور، بناءً على وضعي آنذاك والمعتقدات التي كنتُ أؤمن بها عن نفسي آنذاك، لم أكن أتوقع أن أصبح الآن متحدثًا رئيسيًا أتحدث أمام جماهير غفيرة بانتظام، وأنني أستمتع بذلك تمامًا.
كنتُ في الثامنة عشرة من عمري آنذاك، وكل ما كنتُ أعرفه هو أنني لم أكن أحب شعور الحكم عليّ، وكنتُ أرغب في تجنب الإحراج بأي ثمن، في النهاية، حصلتُ على درجة جيدة في الدورة، ولكن نظرًا لعدم ارتياحي للتحدث أمام المجموعة، غادرتُ دورة التواصل تلك وأنا أؤمن بمعتقد جديد مُقيّد: "أنا سيئ في التحدث أمام الجمهور"، ظل هذا الاعتقاد راسخًا في ذهني لفترة من الوقت، كان هذا الشعور يلازمني عندما اضطررتُ لإلقاء خطابات في حفلات الزفاف، ثم ظهر فجأةً بعد سنوات عندما أتيحت لي فرصة البدء بإلقاء محاضرات كضيفة في جامعة.
فكيف تغلبتُ عليه؟ كانت الخطوة الأولى هي إدراكي لوجود هذا الاعتقاد المُقيّد، والثانية هي اتخاذ قرار بعدم السماح له بإيقافي، كنتُ أعلم أن لديّ رسالةً مهمةً أريد مشاركتها، والتي من شأنها أن تُساعد الطلاب الذين سأُلقي عليهم محاضرات، فانغمستُ في هذه المهمة، عندما انتهيتُ من يومي الأول كمُحاضرة ضيفة، عشتُ لحظةً من الإلهام، شعرتُ بشعورٍ رائع، واستمتعتُ كثيرًا بالتحدث مع المجموعة، تلاشى التوتر بعد لحظات من بدء المحاضرة، ووجدتُ نفسي مُتحمسة لتكرارها، أدركتُ أن اعتقادي بأنني ضعيفة في التحدث أمام الجمهور لم يكن صحيحًا، لقد جعلني التحدث أمام الجمهور أشعر بعدم الارتياح، وهذا جزءٌ من القيام بشيءٍ جديد.
منذ ذلك الحين، أصبح هناك سؤالٌ أطرحه كلما ظهرت معتقداتٌ مُقيِّدة أو قصصٌ مُقيِّدة، وهو: "كيف يُمكنني رؤية هذا الأمر بطريقةٍ تُمكِّنني أكثر؟" إذا كنتَ تسعى إلى ابتكار قصصٍ مُمكِّنة لنفسك، فقد يكون من المُفيد اختيار أهدافٍ سهلة المنال وخطواتٍ صغيرةٍ تدفعك نحو معتقدٍ جديدٍ أكثر تمكينًا، من المُرجَّح أن يظلَّ الشكُّ الذاتي والخوف موجودين، لكنَّ السرَّ هو ألا تدعهما يمنعانك من أن تُصبح الشخص الذي تطمح إليه.
|