|
القاهرة 18 نوفمبر 2025 الساعة 09:17 ص

كتبت: سماح عبد السلام
عبر معرضه الاستيعادي "الرحلة" وثق الفنان الكبير "مصطفى بط" لمسيرته التشكيلية التي تجاوزت خمسة عقود كشف خلالها عن شغفه بالقرية ومدى تأثير الموروث الشعبي على صياغة تجربته الفنية التي تباينت بين النحت والتصوير.
تتميز أعمال "بط" بما تحمله من ملامح خاصة. حيث تجنح موضوعاته باتجاه السيريالية، إذ تبنى هذا الأسلوب بسبب نشأته الأولى حيث ينتمى لبلد تشبه القرية ولكنها مدينة، وهى شبين الكوم. وقد جاءت أوائل معارضه عام 1976 متضمنًا أعمالاً تجُسد البيوت الطينية من الطوب اللبن والتبن والتراب الذى يتحول لطينة، لذلك اخذ شكل الكتل النحتية التي تسم بالدفء.. كان البيت يحمل كثيرا من الأحاسيس والصفات الشخصية لمن قام ببنائه".
وقد شكلت حكايات الجدات فى جلسات السمر معينًا مهمًا فى ذاكرة مصطفى بط فى طفولته الأولى خاصة أنه كان يعيش بالقرية و لم يدخل إليها النور آنذاك، بل لمبات الجاز ليلتف النساء حولها وبالتالى يلتصق كطفل بالأمهات ويستمع لحكاياتهن وما تحمله من خبرات حياتية ومن ثم بدأت تلك الحكايات تترسب تلقائيًا فى الذاكرة. وكذلك ما يسمعه من قصص وأساطير تحدث بالنهر القريب لمنزله، كل هذه الأمور أثرت مخيلته وكونت مورثه الثقافى الذى انعكس فى لوحاته. من هنا جسد بأعماله الأولى هذه البيوت الرحيمة التى تستوعب البشر بكل عاداتهم وتقاليدهم.
كما تبدو منحوتات "بط" بمثابة أجزاء من لوحاته بشكل يكاد يكون متعايشا مع تفاصيل الصورة الموجودة باللوحة.. هى كلها لحيوانات مؤخوذه من عالمنا ولكنها تحولت عبر المعالجة الفنية من كائنات تشبة الواقع إلى كائنات خاصة بى. فيها حذف وتغير عن الواقع ولمسات تختلف عنه أحيانًا، وبها جزء يكاد يكون خارج العمل التصورى الذى رسمه. بحيث يشعر المتلقى أن النحت والتصوير متجاورين معًا أو جزأين لشيء واحد. وكأن هناك فراغ بين التمثال واللوحة والفراغ كانت تشغله فى وقت من الأوقات هذه التماثيل ولكنها خرجت من حيز الواقع لتعيش حياتها بشكل منفرد ومتمردة على ما كانت فيه من وضع داخل حيز اللوحة.
يمتلك "بط" باليتة لونية خاصة يطغى عليها اللون البنى والأصفر الأوكر والأبيض، وبالطبع لهذه الألوان أساس، منها أن الطينة لونها بنى، الأرض لون أصفر. إذا نظرنا إلى أي مجسم خلف الشمس نجد ظلاً يحُيد الألوان. وقد قام لاحقًا بطرح حلول جديدة تكونت من خلال إطلاعه على تجارب الآخرين أو استقاها من الكتب الفنية أو زيارة أماكن مختلفة بحيث تنمي في مخيلته القدرة القدرة على اقتناص ألوانًا جديدة ومن ثم بدأ يستخدم اللون الأحمر والبرتقالى والأزرق وبدأت الألوان تلعب دوراً مع أعماله التى كانت ضئيلة لونيًا في البداية، وهو ما لاحظناه في معرضىه السابق بجاليري ضي حيث تكاد تكون الألوان متجاورة وبها نوع من التباين والحدة فى وضع اللون.



|