|
القاهرة 17 نوفمبر 2025 الساعة 12:34 م

كتبت: إيمان السباعي
في أثناء بحثها في الألبومات التاريخية لفتت صورة فوتوغرافية من أوائل القرن العشرين لاثنين من السكان الأصليين في بيرو، وهما الرجلان (أومارينو وأريدومي)، يرتديان ملابس غربية ويمسكان بأيدي بعضهما البعض نظر المخرجة تاتيانا فوينتس سادوسكي كما توضح عبر التعليق الصوتي في فيلمها "ذاكرة الفراشات"، حاولت تاتيانا معرفة المزيد عن الرجلين، اللذين بدت على كل منهما نظرة انزعاج أثناء وقوفهما أمام الكاميرا، دفعتها إلى البحث في صور أخرى متنوعة ومواد أفلام أرشيفية، في فيلمها الصادر هذا العام حاولت سادوسكي بناء صورة أكبر لبيرو حوالي عام 1910 أثناء حقبة تجارة المطاط الوحشية في بيرو.
فضح الفيلم ممارسات قطب المطاط خوليو سيزار أرانا، الذي استعبد آلاف السكان الأصليين في الأمازون، في منظومة عنف تُذكّر بفظائع بلجيكا في الكونغو. المُقلق أن الكثير من المواد الأرشيفية التي يعتمد عليها الفيلم جاءت من أفلام إثنوغرافية موّلتها شركات القمع نفسها. إنها صور توثّق الرقص والطعام والثقافة، بينما تُخفي يدًا تجلد وتبتر وتلقّن قسرًا، هكذا يتحول الوثائقي إلى فضحٍ مزدوج: توثيق ما حدث.. وكشف ما أخفته الكاميرا عن عمد.
تستعين سادوسكي بمذكرات الدبلوماسي الأيرلندي روجر كيسمنت، الذي وثّق جرائم أرانا وسعى لفضحها عالميًا. لكنه اختار الشابين تحديدًا لجمالهما "الكلاسيكي"، كي يصبحا وسيلة لإقناع النخب الغربية.
إننا أمام مفارقة أخلاقية تصدم المتلقي: حتى المناضل ضد الإمبريالية مارس قدرًا من الاستغلال الرمزي.
اللقطات الملوّنة بالأحمر لنهر جافاري التي أضافتها سادوسكي تجعل الأرض نفسها تبدو كنهرٍ من الدم… ذاكرة لا تزال تنزف.
رغم كل الألم، لا يخلو الفيلم من إشارات أمل: المقر الذي بناه أرانا للتعذيب صار اليوم مدرسة لأبناء الضحايا.
لكن هل يكفي هذا كتعويض عن قتل هذه الأرواح كلها التي لا تزال محلقة كالفراشات تؤرق صمتنا وذاكرتنا المشوشة؟
ذاكرة الفراشات The Memory of Butterfliesهو فيلم وثائقي لعام 2025 من تأليف وإخراج وإخراج تاتيانا فوينتيس سادوفسكي وهو فيلمها الأول. يوثق الفيلم عبر التنقيب في أرشيفات الأمازون وتجارة المطاط القصص المفقودة لأومارينو وأريدومي دامجا قصتهما بذاكرة شخصية ترتبط بعائلة تاتيانا.




|