|
القاهرة 17 نوفمبر 2025 الساعة 10:46 ص

كتبت: نهاد إسماعيل المدني
وصل فيلم «زنقة مالقة» للمخرجة مريم توزاني إلى «المسابقة الدولية» في الدورة الـ 46 لـ «مهرجان القاهرة السينمائي»، بعد اختياره لتمثيل المغرب في جوائز الأوسكار لعام 2026.
تدور إحداث الفيلم حول ماريا أنجيلا، التي تُجسّدها ببراعة الممثلة الإسبانية المخضرمة كارمن مورا، المعروفة بأدوارها الشهيرة مع ألمودوفار (مثل "عادات مظلمة"، و"قانون الرغبة"، و"العودة"). كارمن مورا، البالغة من العمر 79 عامًا، تظهر بقوتها الفطرية لتؤدي دور امرأة إسبانية وُلدت وعاشت حياتها بأكملها في طنجة، المغرب.
يشير عنوان الفيلم إلى الارتباط العميق بين مدينة طنجة وشمال إسبانيا، خاصةً وأن طنجة كانت سابقًا جزءًا من الدولة الإيبيرية، وكملاذ للمنفيين السياسيين الهاربين من نظام فرانكو، وهو ما يُفترض أنه سبب وصول أسلاف ماريا إلى المغرب العربي.
تعيش ماريا حياة سعيدة في طنجة، وتتمتع بعلاقات دافئة ومُرحبة مع جيرانها العرب. تزيّن شقتها أثاث قديم جميل، وتطل على شارع تجاري حيوي (شارع مالقة الذي يحمل اسم العائلة).
تحدث نقطة التحول عندما تسافر ابنة ماريا، كلارا (التي انتقلت إلى إسبانيا منذ زمن بعيد مع أحفاد ماريا)، فجأة إلى المغرب لتُبلغ والدتها بقرار صادم: بيع المنزل الذي ورثته عن والدها لأسباب قانونية.
تُصاب ماريا بالذهول وترفض التزحزح، مُعتقدةً أن زوجها الراحل سيغضب بشدة من هذا القرار، ومُقتنعة بأن ابنتها الوحيدة لا يمكن أن تطردها.
لتسريع عملية البيع، تُفرغ كلارا الشقة وتبيع أثاث ماريا الثمين (بما في ذلك ثريا فخمة ومُشغّل أسطوانات عتيق) لتاجر تحف محلي. تمنح كلارا والدتها خيارين: الانتقال معها إلى مدريد، أو الإقامة في دار مسنين إسبانية في طنجة.
مغامرة ماريا الجديدة:
تختار ماريا الخيار الثاني على مضض، بعد وعود بالحرية والترفيه وحتى إجراءات تجميلية. لكنها تُصدم بواقع غرفتها "الكئيبة وبلا روح" في دار المسنين، واقتحام خصوصيتها من قبل الطاقم المهني.
هذا يدفعها لوضع خطة ماكرة لاستعادة شقتها المعروضة للبيع، فتنطلق في مغامرة فريدة.
في هذه المرحلة من الشيخوخة، تعيش ماريا فترة "النضج"، حيث تسمح لنفسها باتخاذ قرارات مصيرية، وتكوين صداقات جديدة، وكسب المال، بل وحتى استكشاف حياتها الجنسية.
كارمن مورا (بعينيها الكبيرتين اللؤلؤيتين) تنقل مجموعة واسعة من المشاعر، تتراوح بين الدفء اللطيف، والسخط الصامت، والغضب، والعاطفة المتفجرة.
يبدأ الفيلم كدراما مروعة وتأمل جاد في العلاقة بين كبار السن وأبنائهم، لكنه يتحول تدريجيًا إلى فيلم أكثر مرحًا مع عناصر كوميدية صريحة.
يُعدّ هذا التحول مفاجئًا مقارنةً بفيلم توزاني السابق «القفطان الأزرق» (2022)، الذي كان مؤثرًا وقاسيًا. تُثبت المخرجة المغربية (44 عامًا) اتساع مهاراتها الإخراجية والكتابية.
شاركت توزاني في كتابة السيناريو مع نبيل عيوش، وهما نفس الثنائي الذي عمل معها في «القفطان الأزرق» وفيلمها الروائي الطويل الأول «آدم» (2019).
من اللحظات المضحكة: رفض ماريا قص شعرها، وهروبها من دار المسنين، وحواراتها غير المباشرة مع أختها جوزيفا (الراهبة المتدينة التي نذرت الصمت)، والتي تستطيع التعبير عن مشاعرها القوية بوجهها ويديها، خاصةً عند وصف ماريا لتجاربها الحميمية المتأخرة.
العيب الوحيد الملحوظ هو أن الفيلم يفشل في العودة إلى نبرته الجدية الأصلية مع اقترابه من النهاية، مما جعل المواجهة النهائية بين الأم وابنتها أقل تأثيرًا مقارنةً بتلك التي ظهرت في البداية.
يُبرز التصوير السينمائي الغني لـ فيرجيني سورديج دقة التفاصيل، خاصةً في تصوير منزل ماريا، حيث صُوِّرت كل تفصيلة ببراعة (من ملاءات السرير المُزركشة إلى الأطباق المُلوّنة)، مما يعكس تمسك ماريا بممتلكاتها. كما أن صور شوارع طنجة تُضفي على القصة طابعًا إنسانيًا وبهجةً.

|