|
القاهرة 17 نوفمبر 2025 الساعة 10:13 ص

كتبت: نهاد إسماعيل المدني
أكد المخرج التركي نوري بيلجي جيلان، خلال ندوة "انعكاسات سينمائية: رحلة في عوالم نوري بيلجي جيلان" التي أقيمت على المسرح المكشوف بدار الأوبرا المصرية ضمن فعاليات أيام القاهرة لصناعة السينما المصاحبة للدورة الـ46 لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، أن أعماله السينمائية والفوتوغرافية تنطلق من رؤية فلسفية واحدة.
وأوضح جيلان، الذي يترأس لجنة التحكيم الدولية في المهرجان، أن الفن لا يتجزأ، بل هو امتداد روحي وفكري لرحلة دائمة للبحث عن المعنى، وأن كل صورة يلتقطها تحمل الجوهر نفسه الذي يعمل عليه في أفلامه. ولفت إلى أن أعماله الفوتوغرافية العالمية تشترك مع سينماه في الحس التأملي، والاعتماد على التكوينات الدقيقة واللغة البصرية الهادئة للتعبير عن العمق الإنساني والتفاصيل الصغيرة.
رؤيته للسينما والحياة
أدار الجلسة الناقد السينمائي أحمد شوقي، رئيس الاتحاد الدولي لنقاد السينما (فيبريسي)، حيث استعرض مسيرة المخرج وتأثيره. وفي هذا السياق، صرح جيلان بأن السينما بالنسبة له ليست مجرد صور متحركة، بل هي فرصة لتسجيل "لحظات الحياة الدقيقة" وتسليط الضوء على "التجربة الإنسانية بعمق فلسفي وبصيرة حساسة".
وأضاف أن هدفه من خلال أسلوبه الواقعي المتأني والصور الشعرية هو استكشاف الروح الإنسانية وعلاقتها بالعالم المحيط. وفي حديثه عن الذات، قال جيلان إنه لا يعتبر نفسه ذا قيمة أو أهمية، بل يرى أن الإنسانية مهمة بطريقة ما، معتقدًا أن هذا ربما نابع من غريزة الحماية. وأشار إلى أنه يحب أن "يلعب مع هذه الغريزة" ويكسر كبرياء الشخصيات، مما يتطلب وجود هذا الكبرياء لتحديه.
كما شارك نظرة فلسفية للحياة، قائلاً: "أرى الحياة بطريقة مختلفة؛ حتى في المواقف الصعبة أجد نفسي أحيانًا مبتسمًا أو متقبلًا لما يحدث... وبشكل عام أرى الحياة بلا معنى كبير، لذلك لا آخذ الأشياء بجدية"، مؤكدًا أن هذا لا يجعله سخيفًا، بل يجعله يلاحظ تفاصيل الحياة بشكل مختلف، ويكون أحيانًا على طبيعته وأحيانًا لا.
علاقته بالممثلين وتأثير توفيق الحكيم:
تحدث جيلان عن عملية اختيار الممثلين، معترفًا بشعوره الدائم بالخوف والقلق حتى النهاية، وأن الشك يستمر خلال التصوير، وهو أمر مرهق. وأوضح أنه يفضل قراءة السيناريو مع الممثلين مرة واحدة فقط لتجربة الحوارات وإجراء تعديلات بسيطة، مشيرًا إلى أنه لا يحب تكرار التعديلات كثيرًا لكي لا يبدأ في كره الفيلم. وأكد أن أهم ما يطلبه منهم هو حفظ الحوارات بدقة، لأن الثقة بالممثلين أساسية.
في لحظة تأمل، ذكر جيلان أنه تعرف بالصدفة قبل سنوات على الكاتب المصري توفيق الحكيم، ووصفه بأنه "كاتب حكيم ومختلف"، وأنه تعلم منه الكثير، واكتشف أن بعض أعماله الأدبية تحولت إلى أفلام يتطلع إلى رؤيتها.
وأعرب عن تقديره للحوار لكونه يشكّل القصة والشخصيات، مشيرًا إلى أنه يحافظ على هذا الحب للحوار رغم القيود التي واجهها. كما أكد أن اختيار الفصل أو المناخ في الأحداث قرار واعٍ وحكيم لأنه يعكس الحياة الواقعية بكل ظروفها (بما في ذلك الثلوج)، ويعد عنصرًا قويًا في السرد.
التناقض في التجارب وصعوبة صناعة الأفلام:
أشار جيلان إلى أن التباين بين التجارب الإيجابية والسلبية يضفي قوة على المأساة، وأن الإذلال، رغم كرهه وخوفه منه، يعد اختبارًا قويًا للشخصيات، حيث تظهر جوانبهم المختلفة تحته، وليس فقط في السفر أو العمل.
وبخصوص صناعة الأفلام اليوم، أعرب عن رأيه بأنها أصبحت أصعب مقارنة بعشرين عامًا مضت. فبالرغم من دقة السيناريو، قد يُرفض العمل من المنتجين والموزعين، ويُقابل بالكراهية أحيانًا من المهرجانات والجمهور. وأشار إلى أن مرحلة ما بعد الإنتاج باتت تتطلب جهدًا كبيرًا، عمليًا "فيلمين وجهد عامين" للتصوير والمونتاج والإنتاج النهائي، وتباع الأعمال بنصف السعر، متمنياً أن يكون فيلمه القادم مختلفًا.
الرحلة من الفوتوغرافيا إلى السينما:
روى جيلان رحلته الفنية، موضحًا أنه عندما كان شخصًا شديد الانطواء، كان التصوير الفوتوغرافي عالمه المثالي لأنه لا يتطلب الآخرين. في البداية، بدت السينما مستحيلة بسبب التعامل مع الفرق الكبيرة. ولكن مع بلوغه الخامسة والعشرين، بدأ يحب السينما وتساءل عن إمكانية العمل فيها بأسلوب شبيه بالتصوير، ضمن مجموعة صغيرة جدًا أو بمفرده.
وهكذا، بدأ بصناعة الأفلام القصيرة وحده، مستخدمًا كاميرا 35mm، يصور بدون سيناريو، مستكشفًا حياته وعائلته وما حوله "بطريقة فوتوغرافية صرفة". مع مرور الوقت، أدرك حاجته لشخص للمساعدة في التركيز البؤري، فزاد عدد أعضاء فريقه تدريجيًا، ونمت مهاراته، وأصبح العمل السينمائي طبيعيًا، مع احتفاظه بالحنين لبداياته.
وفي سياق الكتابة، أوضح جيلان أنه يكتب وفقًا لتغيره ومعرفة أوهامه ومعتقداته الخاطئة. وهو ينجذب للكتابة عن "مجموعات صغيرة وقصص بسيطة" ومشاهدة هذا النوع من الأفلام، معتبراً التساؤلات التي يطرحها على نفسه نوعاً من "العلاج".
أخيرًا، أشار إلى أنه في العمل السينمائي، لا يبدأ بفكرة مسبقة عن الشخصيات، بل يختار الحالات أولًا، ثم يصور الأشخاص ويكتب عنهم بعد أن تكون عملية اختيار فريق التمثيل قد تمت.
يُذكر أن هذا اللقاء يهدف إلى تعزيز الحوار الثقافي والفني وتسليط الضوء على رموز السينما العالمية.


|