|
القاهرة 11 نوفمبر 2025 الساعة 02:43 م

بقلم: أسامة الزغبي
أولاً، أهنئ جميع المصريين على افتتاح المتحف المصري الكبير، وخاصة علماء الآثار وكل العاملين بالقطاع السياحي. هذا المتحف هو حقاً مصدر فخر لجميع المصريين ودليل على قدرة مصر على التجدد ومواصلة إبهار العالم كما فعلت دائماً.عبر تاريخها الممتد.
على الرغم من الفرحة العارمة التي أظلتنا قبل وأثناء وبعد الافتتاح، انتقد البعض المشروع بسبب تكلفته الباهظة، سواء فيما يتعلق بالبناء أو الافتتاح العالمي الكبير، مما دفعني إلى كتابة هذا المقال بصفتي مرشدًا سياحيًا، شاهدت جميع مراحل بناء المتحف، منذ أن نشأ في ذهن الفنان فاروق حسني وزير الثقافة الأسبق، مرورًا بجميع العقبات التي واجهتها مصر بسبب الوضع السياسي الذي عاشته بعد عام 2011، ثم بداية شرحه للأجانب بعد أن تم السماح بافتتاحه جزئيا بذلك في عام 2021، حتى تحقق الحلم مع الافتتاح الكبير في الأول من نوفمبر الماضي.
التكلفة باهظة حقًا، سواء في البناء أو في الافتتاح الأسطوري، ولا يمكن إنكار ذلك. فيما يخص حفل الافتتاح، فأعتقد أنه كان ضروريًا، لأنه أكبر متحف في العالم، وهذا النوع من الأعمال الضخمة يتطلب دائمًا نوعًا خاصًا من الدعاية، بالإضافة إلى أن العديد من الشركات المصرية تحملت تكلفة الحفل.
أما بالنسبة لتكلفة البناء، التي بلغت وفقاً لمعظم التقديرات 1.2 مليار دولار، فهي بلا شك مبلغ ضخم، مما يجعل متحفنا أغلى مشروع ثقافي في تاريخ البشرية. ومع ذلك، فإن الدور التاريخي الذي لعبته اليابان في بناء هذا المبنى من خلال قرض بشروط ميسرة هونت علينا الأمور كثيرأً..
وفقًا للدكتور زياد بهاء الدين في مقاله المنشور في صحيفة المصري اليوم في 30 أكتوبر الماضي، حيث كان شاهدًا خلال فترة توليه منصب وزير التعاون الدولي والمسؤول عن اتفاقيات التمويل الدولي في عام 2013، فقد أبدت اليابان مرونة كبيرة حولت معه القرض إلى قرض ميسر، الذي يتميز بفترة سداد طويلة وفائدة منخفضة، أشبه بمنحة أو قرض بدون فوائد، مقارنة بما اقترضته مصر أو تقرضه حاليًا لتمويل المشاريع الكبرى التي بدأتها منذ فترة طويلة.. وبالتالي، تم استخدام هذا القرض على النحو الأمثل، بشروط سداد لا تشكل عبئًا على ميزانية الدولة..
ومع ذلك، يبقى السؤال: في أي فترة زمنية سيتمكن هذا المشروع الثقافي الأسطوري من استرداد ما تم إنفاقه؟
للأجابة على هذا السؤال، علينا بداية أن نتفق أن المشروعات الثقافية الكبيرة دائما ما تكون جديرة برعاية الدولة حتى لو كان العائد الاقتصادي ضئيل أو حتى لا يذكر. فانشاء مكتبة على سبيل المثال دائما هو أمر محمود ومطلوب نظرا لما تساهم به في اعداد الأجيال الجديدة وتثقيفها، ومن منا لا يفخر بوجود مؤسسة عالمية على أرضنا مثل مكتبة الأسكندرية. ومع ذلك وفي حالة المتحف الكبير، فالأمر لا يقتصر على كونه مؤسسة ثقافية فقط، بل يمكن اعتباره مشروع اقتصادي ضخم، سيستعيد ما تم انفاقه في رأيي الشخصي في وقت قياسي، بشكل مباشر وغير مباشر.
تأتي الأرباح المباشرة للمشروع من بيع التذاكر، التي تبلغ قيمتها 30 دولارًا للأجانب. وفقًا لآخر الإحصاءات الصادرة عن وزارة السياحة المصرية، نقترب من رقم 16 مليون سائح سنويًا، وإذا افترضنا أن نصفهم فقط سيزورون المتحف، خاصة بعد هذا الافتتاح الأسطوري الذي لا يزال يتصدر عناوين وسائل الإعلام الدولية بعد خمسة أيام، فإننا نتحدث عن رقم لا يستهان به، يعادل 250 مليون دولار سنويًا.
بالإضافة إلى تذاكر الدخول، هناك متجر رسمي لبيع الهدايا، وكشاهد على إعجاب الأجانب بجودة المعروضات، أنا متأكد من أن إيرادات المتجر ستكون كبيرة، بالإضافة إلى منطقة المطاعم والمقاهي ومحلات المجوهرات المصرية عالية الجودة. لا شك أن إيجار هذه المحلات سيساهم في نهاية المطاف في تعظيم إيرادات المتحف. وبهذا الحساب البسيط، أتصور أن إنفاق السائح خلال زيارته للمتحف سيتراوح بين 50 و80 دولارًا، بين تذكرة الدخول وشراء المشروبات أو الطعام وشراء الهدايا التذكارية.
هناك أيضًا زيارات خاصة تطلبها بعض المجموعات السياحية التي ترغب في زيارته خارج ساعات العمل الرسمية، لتجنب الازدحام المعتاد، وعادة ما تدفع هذه المجموعات مبالغ كبيرة للاستمتاع بهذا النوع من الزيارات.
كما تقام حفلات دعائية في المساحات الكبيرة بالمتحف للترويج للعديد من الشركات المصرية والأجنبية، وفي المعتاد يكون مقابل هذه الحفلات مرتفع جدا.
أعتبر ما سبق هو مصدر الدخل المباشر للمتحف، لكن وجود المتحف له تأثير غير مباشر كبير على السياحة المصرية بشكل عام، من خلال تطوير المنطقة المحيطة به، بدءًا من طريق المنصورية، مرورًا بنزلة السمان ونهايات شارعي فيصل والهرم، التي امتلأت مؤخرًا بالفنادق الصغيرة، وهو أمر لطالما طالبنا به.
كما أعلن السيد رئيس الوزراء في المؤتمر الصحفي الذي عقده قبل الافتتاح، في 1 نوفمبر، أن مجموعة طلعت مصطفى ستقوم ببناء فندق فاخر خلف المتحف.
وفي المستقبل، أتوقع أن يتم بناء العديد من الفنادق بدرجات سياحية مختلفة على جانبي طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي، من المتحف الكبير إلى مطار سفنكس الجديد.
لذلك، أعتقد أن المتحف سيكون عامل جذب كبير للاستثمار في الفنادق، مما سيساعد بلا شك على زيادة الطاقة الاستيعابية للفنادق في مصر بشكل عام، والتي كانت، وفقًا لجميع خبراء السياحة المصريين، واحدة من أكبر العقبات التي تحول دون زيادة حصتنا في السياحة العالمية، بالإضافة إلى خلق آلاف الوظائف للأجيال الجديدة في قطاع الفنادق.
كما أتوقع أن يتمكن المتحف غضون ثلاث سنوات، وربما أقل من ذلك، من استرداد كل ما تم استثماره في بنائه، ليتحول بعدها لأحد روافد الدخل القومي الكبرى، خاصة بعد تحقق رؤية مصر 2030، والتي تهدف للوصول إلى 30 مليون سائح سنوياً.
|