|
القاهرة 11 نوفمبر 2025 الساعة 10:13 ص

إعداد: حسين عبد الرحيم
سجلت الشهادات مع الكاتب سعيد الكفراوي عقب فوزه بجائزة الدولة التقديرية..
(1)مات شيخ الرواية العربية، رحل الروائي الأكبر نجيب محفوظ وما زالت سيرته وأعماله باقية وخالدة بقاء الأدب والأفكار العظيمة، ومن قبلهما البشر، حكاياتي مع العوالم المحفوظية في الحياة والكتابة أو مفهوم الكتابة عن الآخر لم تكن يسيرة على نفسي، أنا ابن ثورة يوليو تكويناً ثقافياً ونفسياً ومعرفياً وبعدها القصصي أنتجته ذائقة الكاتب سعيد الكفراوي، أو سعيد الشيخ اليساري في رواية "الكرنك" لنجيب محفوظ والذي سمع من الحكاوي عما حدث لي مع نظام المعتقلات في سجون الزعيم ناصر والثورة، يا لها من رحلة وسير أبدية جهنمية ما زالت، وستبقي لصيقة بذاكرتي مهما حييت، أستعيدها الآن بعد رحيل نجيب محفوظ شيخ الرواية العربية، صديق عمري وعم الأستاذ نجيب، مصطفي بك أبو النصر الكاتب الشهير النرجسي والإنسان الجميل الذي رحل في النصف الثاني من عقد التسعينيات كان صديقاً للأستاذ نجيب، نعم كان الروائي والقاص مصطفي أبو النصر من صحبة الأستاذ نجيب يذهب إليه في كل مكان رغم اختلاف التركيبة النفسية والخلقية، الاجتماعية والسياسية أو الأيدلوجية لكل منهما .
نجيب محفوظ ومصطفي أبو النصر، فالأول ابن مصر الليبرالية الحرة، ابن سعد زغلول والنحاس باشا، والثاني أبو النصر ابن حقيقي لأب ووالد خدم في البلاط الملكي مع فاروق الذي نحته الثورة في موقعة حزينة دراماتيكية، وأنت يا كفراوي صادقت وأنصت للاثنين، وكتب عنك كل منهما، ورحلا : نجيب محفوظ في 2004، ومن قبله مصطفي أبو النصر في 1996 م، وبقيت وحيداً تستعيد سيرة الموتى الباقية إبداعاتهما، وأعود للبدايات بمقهى "ريش"، والمرة الأولى التي غضب فيها الأستاذ مني بعدما لعنت الثورة وأم كلثوم ـ الست ـ كوكب الشرق التي ساهمت بأغنياتها وقصائدها المهمة في نكستنا في حزيران ـ يونيو ت بعدما تم تخدير الشعب بالكلام المعسول حسبما كنت أرى، وأصنف وقتها في 1967م، تعود البدايات بمعرفة الأستاذ الفعلية وقت تهكمي علي دور الست في هزيمة يونيو عندما استشطت غضباً، وهي تغني قصيدتها الشهيرة "جيش العروبة " .
( يا وطن الله معك ما أعظمك ما أروعك ما أشجعك ) .
كلمات التخدير من أغنية صنعت في أزمة اليمن، وبثّتها الإذاعة وقت الهزيمة، وسمعتها فتهورت ولعنت أم كلثوم في حضرة الأستاذ الذي لم يخرج عن صمته، وإن زادت دهشته بترو وعدم انفعال، كنا في حضرة يحيى الطاهر عبد الله وأمل دنقل وإبراهيم منصور، وكل كتّاب "مجلة جاليري 68 "، فخرج بل نهض الأستاذ نجيب يترك مقعده، ويزيح طاولته غاضباً غضب الكبار، خرج من مقهى " ريش " ووقف علي بابها، وناداني بهمس الأب إلا ابنه، نظراته كانت كالسهام، نارية موجهة لملامح وجهي الكدر الحزين الشارد.
قمت مفزوعاً على نداء الأستاذ عليّ تعال يا كفراوي عايزك.
وصحبني من يدي واضعاً يده علي كتفي .
وفي الطريق وبالقرب من ميدان سليمان باشا، ا, طلعت حرب قال لي في غضب إياك يا كفراوي أن تشتم أو تلعن أم كلثوم ثانية!
وانصرف الأستاذ غاضباً وأصابني الخرس، واسترجعت ما حدث من أيام قليلة مضت في نهاية مايو، وفور خروجي من معتقلي وسماعه يحكي عمّا حدث لي مع كتاب يساريين آخرين في معتقلات عبد الناصر وثورة يوليو .
كان الأستاذ قبل النكسة يسمع مني بإنصات مستجمعاً كل قواه العقلية ومحدقاً ببصره يستمع إليّ لساعات ويتوقف للحظات مستفهماً أو مستوضحاُ نقطة ما، قلت له: كيف كانوا يعاملوننا ؟ استبداد، قهر، عري، جوع، بهدلة، وخلافه .
أيام.وفوجئت بالأستاذ نجيب يبلغني وبحسم وفرح أنني إسماعيل الشيخ في روايته الجديدة الكرنك.
(2) في حضرة نجيب محفوظ
يبقي نجيب محفوظ في ذاكرة الإبداع على مدار التاريخ واحداّ من أصحاب الرؤى الذين خالفوا الزمن، وأضافوا لتيارات الكتابة الأدبية آفاقاً وتأصيلاً .
أستعيد الآن صوته القديم، وهو يفتح بابا على المستقبل، وأتذكر ما قرأناه عن نبوءته التي أطلقها بوعيه، ورؤيته المنحازة لكل إبداع جميل .
أتذكر حين قال في العام 1945 على صفحات مجلة الرسالة القاهرية التي كان يصدرها في ذلك الحين الأديب العالم أحمد حسن الزيات:
"لقد ساد الشعر في عصور الفطرة والأساطير، أما هذا العصر؛ عصر العلم والصناعة والحقائق، فيحتاج حتما إلى فن جديد، يوفق على قدر الطاقة بين شغف الانسان الحديث بالحقائق، وحنانه القديم إلى الخيال وقد وجد العصر بغيته في القصة، فإذا تأخر الشعر عنها في مجال الانتشار، فليس لأنه أرقي من حيث الزمن، ولكنه ينقصه بعض العناصر التى تجعله موائماً للعصر فالقصة على هذا الرأي هي شعر الدنيا الحديثة ".
كان استشرافه لفن جديد، وتأكيده على حضوره النوعي بين الفنون، دلالة على موهبة صاحبه، وإدراكه لعمق رؤيته المبكرة، وإيمانه منذ بدايته: بأن الكتابة سعي إلى المعرفة، وبأنها في كل تجلياتها رؤية تتنوع عناصرها لتشمل كل المعاني الإنسانية التي تساعد الإنسان على مواجهة أهوال الحياة والموت.
لقد قدم لنا نجيب محفوظ عبر مشواره الإبداعي، وعبر أشكاله السردية المتنوعة عالمه الثري الذى يتسم في تجلياته كلها بالاستنارة والعقلانية، كاشفا عن الروح الإنسانية في الزمان والمكان، وانشغل انشغالا وجودياً بأسئلة المصير الخالدة .
نتعمق في كل أحوالنا عالم هذا الروائي الكبير، متتبعين مسيرته منذ إبداعه الرواية التاريخية في تياره الفرعونى الذى كتب به رواياته الأولى، والذي حقق من خلاله ذلك التوازي مع أماني ثورة 1919 وشعارها المرفوع بأن مصر للمصريين، وكان قد نشر هذه الفترة كتابه المترجم "مصر القديمة " للأديب الإنجليزى "جيمس بيكي" الذي كتب تاريخ الفراعنة من خلال القصص .
بعد "عبث الأقدار" و "رادوبيس" كتب "كفاح طيبة" . عن نضال المصري القديم ضد الغزاة الجانب لأرض وادى النيل، وفيها صور فعل المقاومة، ووقوف الشعب وراء زعيمه المخلص .
كشفت تلك المرحلة عن انتماء نجيب محفوظ، وتحيزه السياسي لتاريخ وطنه القديم، وناقش في هذه النصوص العلاقة بين الشعب وسلطة الفرعون العادل أحيانا، والمستبد في أزمان أخرى .
أواسط الأربعينيات تقريباً بدا مرحلته الواقعية بإبداعه رواية "زقاق المدق".
كان قد لفت الأنظار، وقدم عبر هذا النص كشفا جديداً للحارة المصرية، وجسّد في إبداعه أحوال هذا العالم المقيم حول سيدنا الحسين، والذى يقطن حى الجمالية بالقاهرة المعزّية. ومع روايات "زقاق المدق" و "خان الخليلى" و " القاهرة الجديدة" ورائعته "بداية ونهاية " اتصفت شخصياته بالعمق، وقدمهم الروائي في عوالمهم وأمكنتهم، مجسداً صراعهم اليومي دفاعاً عن حياة تزحز بالغريب والمدهش.
كتب نجيب محفوظ " ثلاثيته" الخالدة: "بين القصرين " و"قصر الشوق " و "السكرية" متتبعاً أسرة السيد أحمد عبد الجواد في تاريخها الموازي للمتغيرات التي تحدث في الوطن، كاشفاً عن واقع مصر السياسي والاجتماعي، وعن متغيرات تلك الحقبة، متناولا بالتحليل طبقات مصر من مسلمين وأقباط، وظلت الثلاثية في إبداع نجيب محفوظ المرتكز العريض الذى انطلق من الواقعية التعبيرية التي كتب فيها روائعه "اللص والكلاب " و"السمان والخريف " و "الطريق" و "الكرنك " و "حكايات حارتنا " ثم مجموعته المهمة "دنيا الله ".
يرى د جابر عصفور أن عالم نجيب محفوظ يعكس الظروف المتناقضة والمعقدة والتأثيرات الاجتماعية والتقاليد التاريخية التي أسهمت في تحديد نفسية أبناء "البرجوازية الصغيرة " وصنعت أزمة طلائعها في الانتماء، خصوصاً تذبذبها وتناقضها في حل قضيتى "الحرية " و "العدل " وذلك من غير أن تتخلى هذه الطلائع عن حلم الثورة الأبدية.
مع " أولاد حارتنا " جاءت أكثر مراحل كتابة نجيب محفوظ عمقاً، وتجلي شفافية التلقي، وانشغل بسؤاله الفلسفي عن المصير، وبالكشف عن تلك المنطقة من روح الإنسان، كانت رواية " الحرافيش " سره، ودلالة عبقريته!
تفتحت عوالمها أمامه عندما ألقى "عرفة" في "أولا حارتنا" سلاحه السرى لينيه الروائي إلى عالم من الشخصيات يتصف بالمثال، وإلي شخصيات تسكن واقع الحارة، تقودهم جماعة من الفتوات في سديم القهر وغياب العدل، والصراع بين الجماعتين ينتهي دائماً إلى ذلك الأسطورى الكامن هناك في التكايا والأسئلة والعطوف العميقة مثل الجراح .
حرافيش يقتربون الدنيا على الغريب والمريب، والحارة كأنها الوجود المتعين للبعث في دورة أخرى آتية، والزمن في النص الروائي وعاءً لخاتمة السنين!
ظلت مرحلة.. الحرافيش " و "أصداء السيرة الذاتية " و "أحلام فترة النقاهة" آخر مراحل إبداع نجيب محفوظ، وظلت كتابة تلك الفترة كاشفة عن ذلك الواقع الفلسفي الصوفي من خلال المجاز والرمز والدلالة.
"عاشور الناجى" الكبير ينبع من ظلام الحارة، حاملا بشارته بأفق يبشر بالعدل وبالحرية بين حرافيش الحارات، بين جماعات الهامش الذين يتواصل وعيهم عبر ما قدمه الناجي من قيم وإجابات .
كانت الحرافيش من أهم إنجازات نجيب محفوظ قال عنها يوما الروائي الراحل بدر الديب: "للمرة الأولى أشعر أني أمام بناء فرعوني خالص في الأدب. بناء يستحضر عظمة المعابد ونقوش الجدران، ويستحضر روح العدل والتوازن، بل والتحدي المباشر لفكرة الزمن وجوهره ".
ظلت الكتابة عند الكاتب الكبير رؤية للوجود الإنساني.
وبقدر ما يكشف نجيب محفوظ عن جذور عالمه تحددت رؤيته لكونه، ولبشره، ومن ثم تتجسد الدنيا في العالم المحفوظي كأنها أسطورة لا تفنى.
ظلت المرأة في أعمال محفوظ إحدى شواغله.
ولقد تناولها في تجلياتها الإنسانية المختلفة، كما قدمها دائما في أعماله كائنا من لحم ودم .
وكانت المرأة في كل أعمال محفوظ تنفتح على عوالم من حياة مصر، تحمل إرادتها في الفعل، وتعيش انكساراتها الاجتماعية في مواجهة سطوة الرجل.
"أمينة" الأم في الثلاثة داخل عالمها المغلق في حي الحسين الزاخر، والمختلط . كما كانت "عايدة " في علاقتها مع "كمال" عبر شطحات الرومانتيكية . و "إلهام" في موقفها بين الخير والشر في رواية "الطريق" . و"نفيسة " في " بداية ونهاية " التي واجهت مصيرها بشجاعة حتى النهاية التي أفضت بموتها دفاعاً عن أسرة تنهار داخل واقع يتسم بظلمه السياسي والاجتماعي. و"نور" في "اللص والكلاب " ورفيقها سعيد مهران الذي يجابه سلطة القهر، وغدر الكلاب حتى "زهرة " في "ميرامار " تلك القادمة من الريف، يحيطها جمع من الطامعين، يمثلون واقعاً منتهكاً بالمظالم والفساد.
عشت بيقين أن نجيب محفوظ بالنسبة لي كان المعلم، والرائد، والإنسان .
اعتبرته طوال عمري من الكتاب الاستثنائيين والذي يمثل فيما عرفته عنه دلالة حاسمة في تاريخ الكتابة الإنسانية، شأنه في ذلك شأن أهم كتاب الضمير الأدبي في العالم.
عشت حول حضرته العديد من السنوات. كان يجلس على مقهى "ريش" بوسط المدينة. وكنا في ذلك الحين نحن جماعة هذا الجيل نجتمع على هذه المقهى، نمثل معارضة النظام الناصري بالذات بعد هزيمة يونيه / حزيزان 1967. كنا أبناء الثورة، ولكننا كنا الضد لتجاوزاتها، ولعنف ممارساتها للسياسة. كان الزعيم قد أعطى لنفسه الحق في أن يستبدل نفسه بأمة عريقة، وكنا نحن جيل الستينيات قد جئنا من قرانا باحثين عن أمل . وكانت مصر في ذلك الحين تحدق فيما جرى بفزع وبغير تصديق.
وجدنا الملاذ في تجليين.
-
تجل الكتابة المغايرة التي مثلت الوثبة المضادة في مواجهة السابق من النصوص.
-
ونجيب محفوظ كملاذ يراقب عن كثب تجربتنا بتأمل، وإعجاب.
كان يعيش بوجدانه معنا على المقهى، بينما عقله يمارس فكره حول مغامرة الكتابة عند هذا الجيل، وفي تقاطع مع مشروع الجيل كتب نجيب محفوظ مجموعته "تحت المظلة" بخبرة من راقب، وعرف أبعاد ما يكتبه هذا الجيل من أدب حديث في الشعر والقصة وفيما بعد في الرواية.
كنت أتلمس التعرف على اهتماماته، ومشاعره . قرأت عن محبته لتنظيم حياته حتى أنهم أطلقوا عليه "الرجل الساعة "، وعشقه لحى الحسين وبشره وأمكنته ورائحة الزمن فيه، وكان ذلك الحي حافظة الذكريات والنبع الصافي الذي جسد من خلاله أعماله .
كان يحب الفنون، وكتب للسينما أربعين سيناريو نفذت جميعها.
أحب أم كلثوم لدرجة العشق، وكان صوتها يفجر في روحه الذكريات.
لم أكن في البداية أعرف أنه يحبها كل هذا الحب.
وكنا وسط الهزيمة، باعتبارنا ثوار هذا الوقت، نرى فيها سبباً من أسباب الهزيمة، يستخدمها عبد الناصر لتغييب الوعي العام، وكنت أنا والشاعر محمد عفيفي مطر نناقش هذا الأمر بصوت مرتفع، وكان هو يتأملنا صامتاً، وحين انتهت الجلسة عبر شارع طلعت حرب ثم ناداني باسمي، وحين وصلت عنده قبض علي ياقة قميصي وجذبني بشدة محذراً: إياك أنت وعفيفي مطر تسيئان لأم كلثوم أمامي.. ومضي غاضباً . وأنا شعرت في اللحظة كم أسات التصرف، وحاذرت، قبل أن أنتقل لعشق هذه السيدة الجليلة.
كثيرة هي الدروس التي تعلمناها من هذا المؤسس العظيم.
كانت "أولاد حارتنا " قد هيجت عليه أعشاش الزنابير من جماعات الإسلام السياسي .
اتهموه بالكفر، وأرباب الثقافة.
ظل نجيب محفوظ يتسم طوال عمره بالتسامح، ويتصف بالاعتدال، وعاش لا يتصور أن يسير في حياته وأمامه اثنان من رجال الأمن يحفظان سلامته.
لم يكن "سيد قطب" الذى كتب قديماً يبشر بموهبته يعرف أنه بأفكاره المتطرفة عن التكفير، والدولة الإسلامية، وطرح شهادة لا إله إلا الله من جديد، وتعاضد الجماعات في وحدة الفعل لبعث دولة الإسلام، لم يكن يعرف أنه يقدمه للطعن بالسكين على يد شاب متطرف من تلك الجماعات التي صنعها كتاب "معالم في الطريق ".
القاهرة شبه خالية، والناس يوم الجمعة في حي العجوزة قليلون إلا من بعض الرواد في المطعم المجاور لبيت الكاتب الكبير.
كان نجيب محفوظ يتهيأ الآن خارجاً حيث ندوته الأسبوعية في مركب علي النيل، وكان صديقه الذى يقله بالسيارة في انتظاره عند سور مستشفي العجوزة .
في اللحظة التي جلس فيها نجيب محفوظ في السيارة لمح شابا من العوام يقترب من السيارة.
اعتقد الروائي الكبير بسماحته أن الشاب يود أت يسلم عليه، فأخرج يده من السيارة مبادرا بالسلام، الا أن الشاب انحنى وقبض على ذراعه وأخرج سكينة وطعن بها عنق الكاتب في وحشية كاره، وهو يمارس فعله الدموي يعنى بأن قوة الإرهاب كلها تطعن نجيب محفوظ . كان واضحا أن التوقيت اتخذ بعناية. كانت عملية إجرامية تريد أن تثبت للعالم أن الجماعات الإسلامية قادرة على ممارسة ضرباتها رغم الأمن المضروب حول المستنيرين.
وكانت تلك الجماعات تود أن تثبت عبر الإعلام عن العملية أن مصر بلد مستباحة، وأن على من يسير في طريق محفوظ من أهل الاستنارة، أن يخافوا، ويحترموا .
قال نجيب محفوظ في تعليقه على الحادث إنه شعر بمخالب حيوان مفترس تنغرس في رقبته، فيما كان الشاب القاتل يردد الشهادتين وهو يطعن بلا رحمة شيخاً يتوكأ علي عصاه.
حمل الكاتب إلى المستشفي القريب، ولولا قرب المستشفي، والعلاج المباشر السريع، ومحبة رجل الشارع العادى لهذا الكاتب الذى كتب آماله وأحلامه وعبر عنه بأحسن الصيغ والمعارف لحدثت أمور تثير الحزن.
وحين سألوا القاتل: هل قرأت شيئاً لنجيب محفوظ ؟
أجابهم، بأنه لم يقرأ له شيئاً. وعندما سألوه: إذًا لماذا حاولت قتله ؟ فأجاب: لأنه كافر!!
ذلك الذي عاش عمره مؤمناً بالإنسان، ولا يكف عبر حياته كلها عن الإيمان بالتقدم والتسامح ينحاز لبشر هذا الوطن من "أولاد حارتنا" يوظف أدبه للدفاع عن القيمة العليا، مؤمناً بقيم العدل والحرية، مما جعله خلال نصه البديع، يقتحم فضاءات جديدة، لخلق سرد جديد، ليس في أدبنا العربي فحسب، بل عبر آداب العالم كله.
رحم الله شيخه "عبد ربه التائه " بطل كتابه الفذ "أصداء السيرة الذاتية " الذي قال فيه :
"أصابتني وعكة فزارني الشيخ عبد ربه التائه، ورقاني ودعا لي قائلا:
" اللهم من عليه بحسن الختام، وهو العشق".
على روحه سلام الله.
|