|
القاهرة 11 نوفمبر 2025 الساعة 10:12 ص

بقلم: د. هويدا صالح
شكّل حفل افتتاح المتحف المصري الكبير في الأول من نوفمبر 2025 حدثًا ثقافيًا فارقًا يتجاوز كونه عرضًا فنيًا أو احتفاءً أثريًا إلى كونه "خطابًا رمزيًا متعدّد الطبقات". لقد أعاد حفل الافتتاح إنتاج صورة مصر الحضارة والسلام أمام العالم. جاءت كل تفصيلة من تفاصيل حفل الافتتاح، من العروض الفنية المتنوعة إلى اختيار الشخصيات والأنماط الموسيقية وحضور المرأة النوعي، كل ذلك جاء محمّلًا بدلالات ثقافية تسعى إلى إعادة صياغة "الهوية الوطنية" في سياق العولمة الثقافية المعاصرة.
نحن نعاني من العولمة الثقافية وتغييب الهويات الوطنية والمحلية لصالح نموذج عولمي واحد، لكن حفل الافتتاح وما حدث فيه من فعاليات يجعلنا نقول ونحن مطمئني الفؤاد أن الحفل كان "نصًّا ثقافيًّا" ينفتح على الكثير من الدلالات، حيث يتقاطع التراث المصري القديم مع ما بعد الحداثة والرقمية التي اجتاحت العالم وحولته إلى قرية صغيرة. إنه نص ثقافي محمل بالكثير من الدلالات يمكن تحليل أهم رموزها فيما يلي:
1ـ . المرأة كقائدة للخطاب الجمالي:
رغم أن القيادة الرئيسية للأوركسترا الموسيقية في حفل الافتتاح كانت للمايسترو ناير ناجي إلا أن المايسترو دنيا الدغيدي التي قادت الأوركسترا النحاسية بالكامل في فقرات الحفل، وهي تعد أول قائد أوركسترا نحاسية في مصر والشرق الأوسط، ، وكذلك المايسترو إيمان الجنيدي التي قادت أروكسترا ضخمة ضمت أكثر من 120 عازفا وكورالا في جزء من الأداء الموسيقي، وهي تعتبر أول سيدة تعمل كقائد أوركسترا في صعيد مصر، قدمتا نموذجًا مضيئا للمرأة المصرية، ووجودهما لم يكن مجرد تمثيل جندري، بل إعلان رمزي عن إعادة تموضع المرأة المصرية كمركز في الفعل الثقافي المصري.
2ـ مشاركة المرأة المصرية التي حققت نجاحا عالميا:
حرصت مصر على أن تحتفي ببناتها في الخارج اللاتي حققن وجودًا عالميًا لافتا، في إشارة واضحة إلى أن التميز الحضاري القديم له امتداده في الحاضر، فأبناء وبنات مصر يقدمن للعالم نجاحات كبيرة ومبهرة، فهم وهن حفيدات توت عنخ آمون ورمسيس الثاني وحتشبسوت وماعت وإيزيس وغيرهم وغيرهن من ملوك وملكات مصر العظام، فتألقت السوبرانو العالمية ومغنية الأوبرا شيرين أحمد طارق، ودورها الرئيس في الحفل، وكذلك عازفتان موسيقيتان هما أميرة أبو زهرة ومريم أبو زهرة، عازفتا كمان وفيولا، وحفيدتان للفنان المصري الكبير عبد الرحمن أبو زهرة يدل على تميز المرأة المصرية في كل مراحل عمرها. أما وجود الرياضيتين العالميتين : فريدة عثمان اللاعبة الأولمبية وبطل فريق السباحة المصري والملقبة بالـ "السمكة الذهبية" وفريال أشرف بطلة الكاراتيه وصاحبة الميدالية الذهبية في أولمبياد طوكيو 2020، مما يشير إلى اعتزاز مصر بأبنائها وبناتها.
كذلك شاركت الفنانات شريهان ومنى زكي وهدى المفتي وسلمى أبو ضيف، كما تألقت الممثلة الشابة ياسمينا العبد التي ألقت كلمة قصيرة ومكثفة، لكنها تعبر عن روح الحضارة المصرية.
المرأة هنا ليست زينة للمشهد، بل فاعلة ومنتجة للمعنى — تقود، تفسّر، وتعبّر.
3ـ التنوع الثقافي المصري، فقد تضمن الحفل استعراض نوبي، كرسالة سياسية واجتماعية عن اعتزاز مصر بمكوناتها الثقافية، وكذلك استعراض صوفي مولوي؛ مما يجسد التعددية للهويات الثقافية المصرية.
إدماج هذين العنصرين في احتفال وطني واحد يوصل رسالة مفادها أن مصر الحديثة لا تنكر تنوعها، بل تؤسسه كقيمة.
إنه استحضار لروح "الوحدة في التعدد"، وهي فكرة محورية في الفلسفة الثقافية المصرية عبر العصور.
4ـ الغناء الأوبرالي والموسيقى الكلاسيكية:
اختيار الغناء الأوبرالي والموسيقى الكلاسيكية في احتفال بكنز حضاري مصري قديم، يشي بتحوّل في لغة الخطاب الثقافي الرسمي نحو العالمية. الأوبرا والموسيقى السيمفونية تمثلان "لغة الثقافة الكونية"، ومن ثم فهي ترمز إلى تحديث الصورة المصرية أمام العالم:
مصر ليست فقط مهد الحضارات القديمة، بل أيضًا شريك فاعل في الحضارة الحديثة.
5ـ الوجوه الشابة وأبطال الرياضة والفن:
ظهور الوجوه الشابة** في الحفل (من فنانين ورياضيين) هو استدعاء لرمزية الاستمرارية والتجدد.
إنه تأكيد على أن المتحف، رغم احتضانه الماضي، هو مشروع للمستقبل.
المتحف لا يُفتتح ليُغلق على ذاكرة حجرية، بل ليكون فضاءً يربط بين أجيال — من بناة الأهرام إلى أبطال الأولمبياد، من النحات المصري القديم إلى الرياضي الأولمبي في الخماسي أحمد الجندي.
بهذا يصبح الحفل "تجسيدًا دراميًا لفكرة "الزمن المصري" لا ينقطع.
6. البنية الثقافية العامة للحفل:
يمكن قراءة الحفل بوصفه مشهداً من التفاوض بين التراث والحداثة:
ـ التراث ممثلاً في الرموز المصرية القديمة، النوبة، والمولوية.
ـ الحداثة ممثلة في الأوبرا، الأوركسترا، الإخراج الرقمي الحديث.
وهذا التلاقي بين الأصالة والتجديد يعيد إنتاج الهوية المصرية بوصفها هوية متعددة الطبقات— لا تنغلق على الماضي ولا تذوب في الحاضر، بل تحاول أن تصوغ معادلتها الخاصة في الجمال والسلطة الثقافية.
الرسالة الثقافية الكبرى في هذا الحفل هي أن مصر تعيد سرد نفسها:
امرأة تقود، وأجيال تتلاقى، وتراث يحتفي بتعدده، وصوت فني يطمح للعالمية.
إنها محاولة لإعادة كتابة المشهد الرمزي لمصر الحديثة— بلد لا يعيش على أطلال الماضي، بل يحوّل ذاكرته إلى طاقة ثقافية تؤسس للمستقبل.
|