|
القاهرة 11 نوفمبر 2025 الساعة 10:11 ص

بقلم: كريم عبد السلام
حتى الآن، ما زال الذكاء الاصطناعي محصورا في وجود آلات قادرة على تنفيذ مهام بشكل مستقل ولكن بدون وعي أو خيال أو إرادة، وفى ضوء المعلومات والبرمجيات المخزنة بهذه الآلة، أما ما يوصف بأنه تهجين الإنسان بالآلة، فهو حتى الآن عمليات تعويضية لأطراف أو حواس صناعية تستجيب لأوامر البشر، إلا أن أنصار الحركة المعروفة بما بعد الإنسانية يطمحون إلى التخلص من الإعاقات والمرض والشيخوخة والألم وحتى الموت من خلال ما يفترضون أنه تكامل تكنولوجيات النانو والتكنولوجيا الحيوية والعلوم المعرفية والذكاء الاصطناعى والتوسع فى الاستنساخ البشرى ودمج الواقع الافتراضى فى الحياة البشرية، وصولا إلى التهجين الكامل بين الإنسان والآلة مع التأسيس لروحانيات جديدة فى المركز منها العلم والتقنية.
الجانب الأكبر من هذا الطرح لأنصار دين التقنية أو روحانيات التقنية، لم يتحقق بعد، ومع ذلك فثمة مشكلة جذرية تواجه أنصار هذه المدرسة العلمية ذات التوجه الفلسفى المعروف بما بعد الإنسانية، وهذه المشكلة تتمثل فى أن جميع الوظائف المعرفية والحسية والإدراكية والإبداعية والخيالية، غير قابلة للتعريف الدقيق الذى يحيط بها إحاطة شاملة، فكيف يمكن أن نغذي الآلات بتعريفات وافية عن الذاكرة الإنسانية التى تضم تاريخ الكون والبشرية؟ أو كيف نغذيها بتعريف شامل عن الخيال الإنسانى الذى يتجاوز مفهومي وأبعاد الزمان والمكان؟ أو كيف نمد الآلات بجوهر الإبداع والفن، وكل ما يمكن إحصاؤه هو مجموعة من التقنيات الإبداعية الكتابية والفنية والموسيقية لبعض ما تم إنتاجه فقط لا غير؟
فى كتابه "الحياة والشاعر" يرى ستيفن سبندر أن الأدب العظيم كله يتأمل العالم والإنسان وقوانينه وأديانه ويتساءل: لماذا تجري الأمور على هذا النحو بينما من الممكن أن تجرى على نحو آخر" ص44- ترجمة محمد مصطفى بدوي -–مراجعة سهير القلماوى -–الهيئة العامة للكتاب 2001
ويعود سبندر ليقول ص52 من الكتاب نفسه "طالما وجدت الأفراح والأحزان الفردية انساب خيط دقيق من الشعر يعبر فيه الشعراء عن تمتعهم بهذه التجارب، لكن خيال الرجل العبقرى يسعى دائما إلى الوصول إلى نظرة واسعة شاملة للحياة كلها".
تتعدد وتتنوع مفاهيم وتعريفات عملية الإبداع الفني، إلا أن جميع التعريفات والمفاهيم حتى الآن لا يمكنها أن تصف وصفا يحيط بالكامل بعملية الإبداع وتفاصيلها ومراحلها وانفجارها، خاصة أن أشكال الإبداع لا تنتهى ما بين الأعمال المنشورة لشعراء وكتاب راسخين، وأساطير شعبية وحكايات ومرويات مجتمعية وإثنية وموروثات شفاهية تتناقلها الأجيال وتصورات عن الحياة والموت والكون صاغتها البشرية خلال تطورها، فضلا عن مجموعة الاستعارات والأمثال التى تكون ثقافاتنا وتحيا فينا ونحيا بها.
قد يذهب ناقد إلى ضرورة أن يقضى راغبو الكتابة من الموهوبين سنوات من التحصيل والتعلم قبل أن يصلوا إلى شيء من الإبداع، هذا إن تحلوا بالمثابرة والتحصيل، لكنّ مراهقًا مثل رامبو يلقى بالقفاز فى وجه النقاد المدرسيين وهو فى سن الثامنة عشرة بعد يكتب عمليه الخالدين "إشراقات" و" فصل فى الجحيم " ويوجه رسالة بعنوان " الرائى أو البصير" لدارسي الأعمال الإبداعية ليلهثوا وراء عبارته "عبّرتُ عما لا سبيل للتعبير عنه". كتب رامبو فى رسالته: "الشاعر ينبغي أن يجعل من نفسه رائيًا أو بصيرًا، ولكن كيف يصبح الشاعر كذلك؟ بإحداث بلبلةٍ حادة في حواسه، بالانغماس "الديونيزي" المقصود في كل تجربةٍ حسية ووجدانية ممكنة، بهدف معرفة الحقيقة الجوهرية الكامنة وراء الظواهر الخارجية والتعبير عنها".
يستطرد رامبو (1854-1891) فى رسالته: إن الرائي يستنفد كل سمٍّ وكل شراب لكي يحافظ على الجوهر، يصبح بين الناس المريض الأكبر والمجرم الأكبر والملعون الأكبر، والعارف والرائي الأعظم، لأنه يصل إلى المجهول، وعندما يصيبه مس الجنون ويبوء بالعجز عن فهم رؤاه تكون هذه الرؤى قد أصبحت ملكة لديه؛ هو إذن بروميثوس جديد سرق النار الخالدة حقًّا لا خيالًا".
وللحديث بقية..
|