|
القاهرة 06 نوفمبر 2025 الساعة 11:32 ص

بقلم: أحمد محمد صلاح
ولأن الغرض الأساسي من هذه الموسوعة أن نكتب بايجاز عن كل شئ، ولأنني اساسا لا أريد الخوض في فلسفة الديانة المسيحية، وهي أمور عظيمة، درسها وعقلها جهابذة وقساوسة وباباوات، لا أستطيع هنا وأنا المحدود علما أن أكتب عنها كلها، فآثرت أن أمس برفق الموضوعات.
وعند البحث والتدبر وجدت أن التاريخ المسيحي يضع أربعة رجال في مصاف أساتذة الكنيسة الغربية، وهم القديس أمبروز، والقديس جيروم، والقديس أوغسطين، والبابا جريجوري الأعظم، والثلاثة الأولون من هؤلاء ينتمون إلى عصر واحد، أما الرابع فقد عاش في عصر متأخر.
ويقول برتراند راسل :
«القديس أمبروز» هو الذي حدد لرجال الدين فكرتهم عن العلاقة بين الكنيسة والدولة. وقدَّم «القديس جيروم» للكنيسة الغربية إنجيلها اللاتيني، وكان لها حافزًا كبيرًا نحو الرهبنة في الأديرة. وأمَّا «القديس أوغسطين» فهو الذي صاغ للكنيسة لاهوتها الذي ظل حتى «الإصلاح الديني»، وكذلك صاغ شطرًا كبيرًا من الآراء التي اعتنقها فيما بعد لوثر وكلفن.
ولبث أمبروز وجيروم وأوغسطين خلال العصور المظلمة والعهد الوسيط مرجعًا يوثق به، فهم الذين حددوا الأوضاع التي صُبت الكنيسة في قالبها، أكثر مما صنع أي رجل آخر في هذا السبيل؛ فنقول على وجه التقريب إنَّ ولن تجد إلا رجالًا قلائل بزُّوا هؤلاء الأساتذة الثلاثة في مدى تأثيرهم في مجرى التاريخ؛ فالمبدأ الذي أخذ به «القديس أمبروز» -موفَّقًا- من حيث استقلال الكنيسة بالنسبة إلى الدولة العلمانية؛ كان مبدأ جديدًا انقلابيًّا، ساد حتى حركة «الإصلاح الديني». ولما جاء «هبز» في القرن السابع عشر، وجعل يسدد إليه سهام نقده، فإنَّما كان يوجه حُججه إلى «القديس أمبروز» قبل أي إنسان آخر. وكذلك كان «القديس أوغسطين» في المقدمة في المناقشات اللاهوتية التي احتدمت إبان القرنين السادس عشر والسابع عشر؛ فالبروتستنت والجانسينيون يدافعون عنه، والكاثوليك الأرثوذكس يهاجمونه.
ترك القديسون الثلاثة عددا كبيرا من الرسائل والمواعظ، كما كتب أوغسطين كذلك عددا كبيرا من الرسائل يدور معظمها حول المذهب الديني أو حول تنظيم الكنيسة، أما رسائل جيروم فقد كانت موجهه للسيدات في كيف يحتفظن بالبكارة. وأما القديس أمبروز، فأهم رسائله وأمتعها موجَّه إلى أباطرة، ينبئهم فيها كيف قصروا عن أداء واجباتهم في هذا أو ذاك من الأمور، وأحيانًا كان يرسل لهم الرسائل مهنئًا إياهم على أدائهم لتلك الواجبات.
وكان أول موضوع عام تناوله أمبروز هو مسألة المذبح وتمثال النصر في روما، فقد كانت الوثنية أطول بقاء بين أسرات أعضاء الشيوخ في العاصمة، منها في أي مكان آخر، وكانت الديانة الرسمية في أيدي كهنة أرستقراطيين، فارتبطت بالعزة الإمبراطورية التي كان يشعر بها غزاة العالم، وكان تمثال النصر في مجلس الشيوخ قد أزاله قنسطنطيوس بن قنسطنطين، ثم استرده جوليان المارق على الدين، وعاد الإمبراطور جراتيان من جديد فأزال التمثال، وعندئذٍ تألَّف وفد من أعضاء مجلس الشيوخ، برئاسة «سيماخوس» عمدة المدينة، ليطالب بإعادة التمثال إلى مكانه مرة أخرى.
|