|
القاهرة 04 نوفمبر 2025 الساعة 11:14 ص

بقلم: كريم عبد السلام
استكمالا لحديثنا حول تعريف العلماء والفلاسفة للذات الإنسانية، قطع العلماء المحدثون أشواطا بعيدة -على صعيد علم النفس- فى إيجاد تعريفات شاملة للذات الإنسانية وأبعادها ومكوناتها وتاريخها، من حيث هي كون كامل يضم تاريخ الإنسان ما كان وما يجري ويستطيع استشراف ما سيكون، ويرى فرويد أن الذات الإنسانية ليست كلا واحدا، بل هي تتكون من الأنا والهو والأنا الأعلى، حيث ينشأ "الأنا" من الإدراك الحسي ثم يبدأ فى الإحاطة بما قبل الشعور الذى يجاور الآثار الباقية فى الذاكرة، و "الأنا الأعلى" أو الأنا المثالي فهو أقل ارتباطا بالشعور من بقية أقسام الأنا الأخرى، أما "الهو" فيعني ذلك الجزء المعني بالغرائز والشهوات، ومن جانبه يقول كارل يونج بأن الذات الإنسانية تتكون من ثلاثة محددات هي الأنا واللاوعي الشخصي واللاوعي الجمعي، حيث تمثل "الأنا" العقل الواعي فيما يشتمل اللاوعي الشخصي على ذكريات مرغوبة وحاضرة وأخرى مقموعة ومكبوتة وغير ظاهرة ، أما اللاوعي الجمعي فهو الميراث النفسي الذى نتوارثه من آبائنا الأوائل ويشتمل على كل مراحل الصراع والتطور من الإنسان البدائى حتى إنسان المدن والمجتمعات والدول حاليا.
كما يقول يونج بوجود أربعة نماذج بدائية قديمة تؤثر فى الذات الإنسانية وتكون ذاكرتها الحتمية المؤثرة فى أفعال الحاضر، وهى : الشخصية والظل والأنيما / الأنيموس والذات، فالشخصية هى الصورة والطريقة التي نقدم بها أنفسنا إلى العالم، والظل يضم غرائز الحياة والجنس والبقاء ونقاط الضعف والأفكار المكبوتة، وهو جزء من العقل اللاواعى، والأنيما هي صورة أنثوية في نفس الذكر، والأنيموس هي صورة ذكورية في نفس الأنثى، كما أنها المصدر الأساسى للتواصل مع العقل الجمعي، أما الذات فهي نموذج أصلي يمثل اللاوعي والوعي الموحد للفرد، ويحدث تكوين الذات من خلال عملية صياغة فردية الإنسان من خلال دمج جوانب الشخصية المختلفة، فإذا حدث تناغم بين العقل الواعي والعقل اللاواعي تنجح صياغة عملية التفرد الإنساني أو الفردية، وإذا حدث تنافر بين العقل الواعي والعقل اللاواعي تظهر المشكلات النفسية بدرجاتها وتعقيداتها.
يمكننا القول بأن الذات الإنسانية هى تلخيص الكون والتاريخ والزمان، الذات الواحدة تضم جينوم البشرية وأحلامها وصراعاتها ومسار تطورها وانهياراتها ولحظات انتصارها وتحققها، ومن ثم فإن الذات الإنسانية هي الكون، وهي الوعي الكلي بالزمن بعيدا عن الاعتبارات النسبية من ماض وحاضر ومستقبل، كما أن الذات الإنسانية في الوقت نفسه أقرب إلى جبل الجليد لا نعرف أو ندرك أو نرى منه إلا أقل القليل منه، قمته الظاهرة فوق الماء، أما أغلب تكوينه وتضاريسه وأسراره، فما تزال مجهولة بالنسبة لنا.
وإذا كانت الذات الإنسانية بهذه الشساعة والاتساع، وإذا كانت بالمعظم ما زالت مجهولة بالنسبة إلينا، فهل يمكن مقارنتها بآلة من صنعنا، ندرك جميع تفاصيلها ومقدار المعلومات المخزنة فيها ومجمل حركاتها وسكناتها، واحتمالات التصرف المتاحة أمامها قياسا على ما خزناه فيها من برمجيات ومعلومات وأدوات للتحرك؟
وللحديث بقية..
|