|
القاهرة 04 نوفمبر 2025 الساعة 11:09 ص

بقلم: أمل زيادة
سكان كوكبنا الأعزاء..
احتفل العالم والمصريون في الأيام السابقة، بافتتاح المتحف المصري الكبير، في أجواء يملؤها الفخر والزهو، اصطبغت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بالطابع المصري القديم (الفرعوني).
التقى الماضي بالحاضر في لحظات معينة في مشهدٍ واحدٍ مكثف، وكأنّ الزمن يطوي نفسه ليرينا صورته الكاملة، طارحًا تساؤلات عدة، من أين جئنا، وأيّ طريقٍ نسلك، وإلى أين نمضي؟!
جاء افتتاح المتحف المصري الجديد، ليعبر عن أحد هذه اللحظات، حيث تتقاطع طرقنا حين تلتقى الحجارة مع الروح، والتاريخ مع السؤال الأعمق: ماذا يعني أن نكون مصريين؟
في تلك الليلة التي اصطفّت فيها التماثيل كأنها تصغي، وبدت الوجوه الحجرية لكبار الفراعنة أكثر حياة من كثير من البشر، شعرنا أن الهوية ليست فكرة تُكتب في الكتب، بل كيان يتنفس من بين جدراننا، من النيل، ومن الغبار الذهبي الذي لا يزال يلتصق بأقدامنا منذ آلاف السنين. كل خطوة في افتتاح المتحف كانت تذكيرًا بأن المصري، مهما غاب في الزحام، يحمل في داخله ذاكرة الكون الأولى، جاء الافتتاح مبهرا على المستوى التقني والإضاءة والأزياء والديكور والتنظيم لكنه يفتقد للبصمة البشرية للهوية المصرية كان يمكن ان يستثمر هذا الاحتفال بشكل أفضل بما لا يخل الطابع العالمي الذي يجب أن نخاطبه بالغته.
إذا كان العالم يتابع هذا الحدث بشغف كان لا بدّ أن نتحدث باللغة الموحدة وهي الإنجليزية تحكي رحلة النيل كما أرادها المؤلف الموسيقي هشام نزيه، لكن بطابع مصري لأن مصر مرادفها الأهرامات وتوت عنخ آمون.
كان حفلا مبهرا على المستوى التقني رغم كثرة الأخطاء التي لاحظها الجميع، لكن ما حقا افتقدناه غياب الآلات الشرقية الوترية الفرعونية ضمن الأوركسترا، لماذا لم يخصص فقرات أبطالها هذه الآلات وهي تحكي قصة بناء هذا الصرح يشارك في حكي القصة رموز مصر البارزين حول العالم دكتور مجدي يعقوب ممثلا لجيل الكبار ومحمد صلاح ممثلا لجيل الشباب وبعض رموز الفن الوجوه المحبوبة والتي تجيد عدة لغات ممثلين جيل الوسط.
كنا بحاجة لإبهار ثقافي أعمق مما حدث لأن الحفل حفلنا وكان يجب أن يعكس هويتنا الثقافية التي تم اختزالها في ابتهال المنشد وترنيمة الكاهن وغناء النوبي..
إن عدنا بذاكرتنا إلى أوائل التسعينيات، سنجد مشهدًا مختلفًا تمامًا، حفل إقليمي لكن سخرت من أجله كل الطاقات الممكنة آنذاك، ألا وهو حفل افتتاح دورة الألعاب الأفريقية الذي أقيم في إستاد القاهرة، كان حفلا مختلفا بشكل تام رغم محدودية الإمكانيات، كان احتفالا بمثابة إعلان عن هوية، ولكن هوية تبحث عن وجه جديد. كانت مصر آنذاك تحاول أن تجد مكانها في عالمٍ يتغير بسرعة، عالمٍ بدأ يتحدث بلغة الصورة والإيقاع والضوء. فجاء صوت عمرو دياب الذي يحمل نبرة المدينة الحديثة، ووميض الشاشات الملونة كأن يفتح شبابيك جديدة على العالم.
في تلك الحفلة، بدا الشباب المصري كمن يكتشف نفسه من جديد؛ يرقص على إيقاعاتٍ محلية ولكن بعينٍ على الغرب.
كان ذلك اللقاء بين العصرية والتراث، بين اللغة التي تتغير واللهجة التي تبقى، بين القميص الغربي والملامح الفرعونية. هذا الحفل لم يكن مجرد افتتاح عادي، بل كان تمرينًا على التوازن بين الأصالة والحداثة، بين الإحساس القديم والنبض الجديد.
قامت مجموعات من الأطفال بالرقص وهم يرتدون أزياء فرعونية وآخرين عروس المولد وهكذا حاول منظمي الحدث تسخير كل شيء متغلغل في المجتمع المصري وتوظيفه برشاقة ضمن فقرات الحفل.
قام عمرو دياب بالغناء باللغة العربية والإنجليزية وما زال أبناء جيلي يحفظون كلمات هذه الأغنية. "بالحب أتجمعنا والدنيا هتسمعنا والليلة أول أعيادنا أدي طريق أمجادنا وأدي السمر ولادنا وأدي القاهرة وأدي بلدنا ".
فقرة من بضع سطور لكنها تختزل تاريخنا المجيد.
ها نحن نقف أمام المتحف المصري الكبير، لا لنشاهد فقط آثار أجدادنا، بل نرى نتيجة هذا التوازن الطويل. لقد أدركنا، بعد عقود من التجريب، أن الحفاظ على الهوية لا يعني الانغلاق، كما أن الانفتاح لا يعني الذوبان. فالهويّة الحقيقية ليست تمثالًا جامدًا في قاعة عرض، ولا أغنيةً تلمع ثم تختفي، بل هي الحوار الدائم بين ما كنّا وما نصبح عليه.
المتحف المصري، في طقوس افتتاحه المهيبة، كان أشبه بردٍّ رمزي على أسئلة التسعينيات. هناك، في الحفل القديم، كانت مصر تقول للعالم: أنا أستطيع أن أغني مثلكم، أمّا في الافتتاح الأخير، فقد قالت "أنا التي علمتكم الغناء والفن والدهشة منذ فجر الحضارة".
بين الحفلتين تمتدّ مسافة ثلاثين عامًا من البحث عن الذات، لكنها ليست مسافة زمنية فحسب، بل مسافة وعي. فاليوم، حين نرى موكب المومياوات يمرّ ببطءٍ مهيب، أو نسمع موسيقى تمزج بين النوبة والآلات الأوركسترالية الحديثة، نفهم أن الهوية المصرية ليست ماضٍ يُحفظ في المتاحف، بل طاقة تُعاد صياغتها في كل عصر.
لقد حاولت حفلة التسعينيات أن تُعرّفنا على أنفسنا في زمن الصورة، بينما حاول افتتاح المتحف أن يُذكّرنا بجذورنا في زمن الذاكرة.
وبين الحفلين، ظلّ المصريّ ،على طريقته الخاصة التي تجمع بين الطابع الحديث ونقوش الكرنك، بين إيقاع الجاز وهمس النيل.
إن الحفاظ على الهوية لا يتم بخطابٍ سياسي ولا بمادة دراسية، بل بفعلٍ ثقافيّ حيّ، وبقدرة على أن ننظر إلى ماضينا دون خوفٍ من المستقبل، المتحف الجديد ليس فقط بيتًا للآثار، بل مرآة لروحٍ ظلت تتنقل عبر القرون دون أن تفقد قيمتها،
لأن بين صوت المغني وضوء القاعات المهيبة، نكتشف أن الهوية المصرية ليست في اختيار أحدهما، بل في الجمع بين الاثنين بين الأغنية الرمزية التي ولدت في التسعينيات، والتمثال الذي عبر آلاف السنين. هويةٌ تعرف كيف ترقص تحت الشمس، ثم تعود لتسجد في صمتٍ أمام تاريخها العظيم.
سكان كوكبنا الأعزاء..
افخروا ببلادكم وبما تقدم وتأكدوا أن الروح التي سبقت الاحتفال كانت رسالة للعالم أن هناك شعب يعشق تراب بلاده ولن تتمكنوا من التفرقة بينه أو شق الصف، وان شمسنا ستعود ذهبية تضيء الكون ببركة الله ودعوات الصالحين وقلوب الطيبين...
حفظ الله مصر.. لذا كونوا بالقرب.. لأن هناك الكثير الذي سنتحدث عنه.
|