|
القاهرة 04 نوفمبر 2025 الساعة 11:07 ص

بقلم: شيماء عبد الناصر حارس
وحتى ذكرى الجوع مؤلمة، حينما يُذكر الجوع أمامي أنهار تماما، أذكر كل المرات التي جعت فيها، فأشعر بالتهديد، وحتى الكتابة عن الجوع مؤلمة، تصبح اللغة، أي لغة، عاجزة كل يوم أكثر من السابق، الأحلام محطمة، طعم الطعام الذي يمر في الأحلام ينهش الأمعاء، الجوع كافر، الجوع قاتل، الجوع مجرم، الجوع يدمر الفكر، يدمر الروح قبل الجسد، يكسر العين والنفس والكرامة ويقتل الحياة.
الجسد يصبح سجينا للجوع، قد نبكي، نحزن، لكن لا طاقة لنا كي نغضب ونحن جوعى، وربما نغضب، لا أحد يستطيع السيطرة على رد فعل إنسان جعان، يقول العلماء أو الأطباء أن الجوع يؤثر في خلايا الجسد حتى بعد أن يأكل الشخص، سوف يورث جيناته التي مر الجوع على خلاياها وترك علامة واضحة في جوانبها، لن ينسى إنسان جاع يوما، أنه جاع، سوف يتذكر الجوع طوال حياته وربما بعد موته إذا أنجب، سوف تحكي خلايا جسد طفله أن أباه جاع يوما ما، محظوظة أني لم أنجب، تم إنقاذ طفل من الآثار الجانبية للجوع رغم أنه لم يجع.
وهناك أثر يتركه الجوع في الروح، إنها أيضًا تجوع بفقد من كانوا هنا وراحوا، يجوع الجسد بفقد الطعام وتجوع الروح بفقد الناس، وليس أي ناس، إنهم أفضل الناس، والجوع الجسدي يذكر الروح بجوعها، والجوع الروحي يذكر الجسد بجوعه، وهكذا يصبح الإنسان نهيبة للجوع، وحتى حينما يذهب الجوع ويعود الطعام، فمن يجلب لنا من أخذه الشر، وأصاب أرواحنا بالجوع، نذكره في كل يوم، مع كل صورة، مع كل صوت، مع ابتسامته الشقية، بالقدر المكتوب بين حاجبيه: "بأنك ميت، مقتول، مغدور، ولو كنت صالحًا".
فهل أبكي، أم أجوع، أم أحزن، أم أضحك في النهاية على نكتة لأني بشر.
ماذا أفعل الآن في سيل من الذكريات؟
ماذا أفعل الآن في فيض من الحزن والألم؟
وكيف يجد الحزن مساحة بين كل الأحزان القديمة، أم الأمر لا يقتصر على موضوع المساحة، إنه شيء لا أستطيع وصفه، إنه جوع في القلب، بالفعل قلبي جائع وروحي ضائعة، هذه المنطقة ما بين السماء والأرض، الفراغ الهائل الذي تسكنه تلك المساحة يشعرني نفسي بالفراغ، بالضياع، بالألم، ونعم سوف أكتب عن الحزن، الألم، الضياع والفراغ، مهما قال الآخرون عن كتابتي أنها حزينة، نعم حزينة أيها الأنجاس، ودعوني آخذ حقي في شتيمتكم، لأنها تريحني بالمناسبة، وترضيني رغم كل شيء، وتسعدني أيضًا، فلو تنزعجوا –وهذا شيء يسعدني- من حزني ومن غضبي فهذا أقل شيء يمكن أن يفعله عديمي الشرف من أجلي، وليذهب كلامكم وآراؤكم في حزني وفي غضبي إلى الجحيم.
أما حزني، أما غضبي، أما كآبتي، وجوع روحي، ووجع قلبي، فلي أيضًا حديث معهم.
وأنا غاضبة أسير في الشارع بقدمي الغاضبتين وقلبي الذي يهدر غضبًا، تلامس قدمايا الأرض، فتتألم، الغضب ليس بضع مشاعر أو أحاسيس لها توصيف معين، للغضب آثار جسدية لا يمكن إغفالها بسهولة، وحتى أذني لم تستطع تجاهل صوت محمد عبد الوهاب وهو يغني: "أَخَـــيْ جَــاوَزَ الظَّــالِـمُـوْنَ الــمَـدَى* فَـــحَــقَّ الـــجِـهَـادُ وَحَــــقَّ الــفِـدَا".
الغضب يأكل القلب والجسد والروح، الغضب والجوع وجهان لعملة واحدة، كلاهما ينهشان في الانسان ويفقدانه الكثير، أعرف أني فقدت وأني سوف أفقد الكثير بسبب الغضب، لكني أحب غضبي، ويكفيني أني لم أفقده، غضبي هو إنسانيتي، ولو فقدت كل شيء واستمر معي غضبي، بالفعل سوف أكون سعيدة، وأكرر مرة أخرى، فليذهب كل شيء وليحيا الغضب.
استغرب الآن أني اكتب هذا، منذ شهور وربما سنوات يعيش بداخلي هذا الغضب كأنه مرض عضال، أرفضه وأحاول التنصل منه، والسيطرة عليه، الآن أرحب بوجوده في حياتي، ليس على مستوى الحاضر ولكن أدعوه للتواجد دائمًا في المستقبل، وأمجد فيه، بل وأغني له، وأقول يحيا الغضب، ربما لأن الغضب ليس عيبًا في حد ذاته، وهو فعل مقاومة، وفي الغالب أفعال المقاومة هي "ردود أفعال موجهة ناحية الظلم والشر والقسوة والعنف".
في مديح الغضب
سوف أغضب وسوف أشكر نفسي كثيرا لأنني أغضب، سوف أُقبل نفسي في المرآة وأخبرني أني امرأة جميلة فقط لأني غضبى.
وأنا أحب غضبي. أحب تلك الكلمات التي أقذفها في وجه الجميع، أحب أراهم وهو خانعون مثل حشرات وأنا اوجه لهم لعناتي، أنا غاضبة أيها العالم، أتعرف لماذا؟ لأنك جبان وحقير وخذول، ولأني أشاهد كل يوم، جبنك وحقارتك وخذلانك لي ولهم، لنا جميعا تحت هذه السماء وفوق هذه الأرض. ونحن جوعى وأسرى وجرحى وقتلى وفقراء ومفقرين ونحن غضبى وقلة وأنت الكثير.
أيها العالم رأيت هذا الصباح يدًا ملقاة على الطريق، يدًا مضمومة لرجل الميت كل ذنبه أنه خرج من بيته إلى العمل، أتعرف ماذا شعرت؟ شعرت بالغضب.
وينتهي اليوم وأنا غضبى، حزينة، محبطة، لكني سأبدأ يومًا جديدًا مليئًا بالغضب والإحباط واليأس، أستيقظ في الصباح موجوعة ومتألمة، غضبى حتى من آلامي اليومية الصباحية، لكني أعالج الأمر كل يوم بطريقة جديدة، فعلي أن أبدأه على أي حال، ولابد أن أواجه الأمر مهما كان حجم الغضب والألم.
واستمر في الكتابة، عن غضبي، عن حزني، وينتهي يوم بكلمة، وربما يبدأ بشعور أو إحساس أو بكلمة أخرى.
|