|
القاهرة 30 اكتوبر 2025 الساعة 03:28 م

بقلم: وليد خيري
في لحظة تاريخية تتشابك فيها خيوط الأسطورة القديمة والطموح الحديث، يتجه انتباه العالم يوم السبت الموافق 1 نوفمبر 2025 نحو هضبة الجيزة، حيث يفتتح المتحف المصري الكبير (GEM) أبوابه بالكامل. إن هذا الافتتاح ليس مجرد تدشين لمبنى ضخم، بل هو تتويج لمسيرة استمرت لربع قرن، واحتفال بقدرة الحضارة المصرية على الصمود والتجديد. وقد عكست الصحف العالمية الكبرى هذا الحدث باعتباره ظاهرة ثقافية استراتيجية تتجاوز نطاق السياحة البحتة، إذ تراه إعلاناً عن نهضة وطنية ورسالة قوة ناعمة موجهة إلى العالم.
لقد أسهبت التقارير الدولية في وصف المتحف بأنه أكبر متحف أثري مخصص لحضارة واحدة في العالم، بمساحة تفوق 500,000 متر مربع، أي ما يعادل ضعف مساحة متحف اللوفر ومرتين ونصف مساحة المتحف البريطاني. لكن العظمة الحقيقية التي استقطبت أنظار الكتاب والمحللين تكمن في قصة بنائه وعلاقته بأعظم أيقونات التاريخ.
• ساعة الصفر على هضبة الأبدية والارتقاء بالتجربة المتحفية
وصفت وسائل الإعلام العالمية المتحف المصري الكبير بأنه "أيقونة" و "أسطورة حديثة" حتى قبل افتتاحه الرسمي. وأكدت التقارير أن اللحظة الفاصلة في نوفمبر 2025 هي اكتمال عرض "جوهرة التاج"، وهي قاعات الملك الذهبي توت عنخ آمون التي ستضم المجموعة الكاملة لآثاره، والتي لم تعرض معاً قط.
المسيرة الطويلة لإنجاز المتحف، التي تجاوزت عقدًا ونصفًا من التأخيرات، تحولت في السرد الإعلامي إلى جزء لا يتجزأ من الملحمة المصرية. فالصحافة العالمية ترى أن مصر، التي تتعامل مع أزمنة تمتد لآلاف السنين، تحول التحدي الزمني إلى بيان فلسفي. لا يهم بضع سنوات من التأخير في بلد تعد فيه القرون مجرد فصول. هذا التحول يحوّل فترات التوقف الناجمة عن الاضطرابات إلى شهادة على قدرة مصر التاريخية على الصمود وإكمال مشاريعها القومية الكبرى رغم كل العقبات.
بالنسبة للمراقبين الدوليين، فإن نجاح الافتتاح الكامل في نوفمبر 2025، في ظل استمرار التحديات الإقليمية، يعد بياناً صارخاً على الاستقرار المصري والالتزام الثقافي الذي يتجاوز التوترات الحالية. فالدولة التي تنجح في إطلاق هذا الصرح الثقافي الضخم في خضم اضطرابات الجوار، تبعث برسالة طمأنة عالمية حول قدرتها على إدارة الإرث والمستقبل معاً.
• هندسة الحوار: العمارة كفلسفة والتناغم مع الأصول
لا يمكن فصل عظمة المتحف عن موقعه الاستثنائي على هضبة الجيزة، على بعد ميل واحد فقط من الأهرامات. تبرز المتحف كمركز حوار، لا كمعزل بين فترتين زمنيتين يفصل بينهما آلاف السنين.
حظي تصميم المتحف، الذي فازت به شركة هينيجان بينج الأيرلندية، بتقدير خاص. وأشيد بالتصميم الذي يتخذ شكلاً مثلثاً مشطوفاً يتماشى بدقة مع المحور البصري للهرم الأكبر خوفو وهرم منقرع. تركز الصحافة المتخصصة على أن العمارة هنا لم تسع إلى منافسة عظمة الأهرامات، بل سعت إلى تقوية ذلك الاتصال بالتاريخ والمكان. هذا التواضع المتعمد هو في حد ذاته تعبير عن احترام العمارة الحديثة لعظمة الأصول.
في البهو الشاسع، يقف تمثال رمسيس الثاني الذي يبلغ وزنه 82 طناً وعمره 3,200 عام. "قائد صامت" يسيطر على المشهد. إن وضع هذا التمثال المهيب في منطقة الوصول الفوري يمثل لغة بصرية قوية، فهو يمثل بداية السرد المتحفي الذي يجبر الزائر على مواجهة العظمة الفرعونية بشكل مباشر، مؤكداً على الفور أن المتحف هو تجسيد لـ "نهضة وطنية".
وتعد منطقة الدرج العظيم من أبرز الملامح التي سلطت عليها الأضواء في العالم، حيث وُصف بأنه "معرض رأسي" أو "معرض عمودي". إنه ليس مجرد ممر، بل هو تجربة بحد ذاته، حيث تصطف على جانبيه مجموعة هائلة من التماثيل الضخمة والآثار في رحلة زمنية تقود الزوار عبر تاريخ مصر القديمة.
• ثورة السرد: كنوز الملك الذهبي والمسارات المبتكرة
إذا كانت عمارة المتحف هي الغلاف، فإن كنوز توت عنخ آمون هي القلب النابض الذي استأثر بالجزء الأكبر من اهتمام الصحافة العالمية. إن جمع المجموعة كاملة في قاعتين شاسعتين يمثل تحولاً نوعياً، هذا تحول من عرض القطع الأثرية كـ "مفردات جميلة" مجزأة إلى تقديم "جملة تاريخية كاملة". هذا التوحيد يعزز الحجة المصرية للدفاع عن تراثها، ويرفع معايير الحفظ والمتاحف عالمياً.
أشادت الصحافة العالمية المتخصصة بالمنهجية المبتكرة في العرض المتحفي، التي سعت إلى "تجاوز معاملة الآثار القديمة كجوائز جمالية". يتمحور الابتكار حول إنشاء نظام المسارات المزدوجة للزوار، بهدف استيعاب التدفق المتوقع لأكثر من 15,000 زائر يومياً: المسار الزمني أو الحياتي: يتبع حياة الملك وطقوس المومياء، وصولاً إلى عالم الآخرة. المسار الجنائي أو الاكتشافي: يبدأ مع اكتشاف هوارد كارتر ويتحرك عكسيا، مقشرا طبقات التاريخ لمعرفة السؤال الجوهري: "من كان توت عنخ آمون؟".
ويُكمل هذا السرد المزدوج بعناصر تعليمية متقدمة، بالإضافة إلى استخدام التقنيات الرقمية والوسائط التفاعلية التي تسمح للزوار بـ "خوض رحلة بصرية وعاطفية غامرة، وكأنهم يسافرون عبر الزمن". هذا الاندماج بين الأصالة والتكنولوجيا يعلن عن وجه جديد لمصر، دولة تعرف كيف تحافظ على ماضيها وتقدمه للعالم بأسلوب معاصر.
• الرافعة الجيوسياسية: المتحف كقوة ناعمة ومحرك اقتصادي
لم تكتف الصحافة العالمية بالاحتفاء بالجمال الأثري للمتحف، بل تعمقت في مغزاه الاستراتيجي. واعتبرت أن المتحف المصري الكبير أكثر بكثير من مجرد مشروع أثري أو وجهة سياحية، بل إنه "نهضة وطنية، وتحول فكري وتنموي". وتم التأكيد على دوره كـ "رمز حديث للقوة الناعمة لمصر" و "أداة دبلوماسية فريدة" في عالم تتنافس فيه الدول على كسب القلوب والعقول.
القوة الناعمة، المتمثلة في الثقافة والتاريخ، أصبحت أداة تأثير لا تقل أهمية عن القوة العسكرية أو الاقتصادية. فافتتاح هذا الصرح يعزز استعادة مصر لنفوذها الاستراتيجي، ويؤكد دورها المحوري كوسيط استقرار ومركز للقيادة الثقافية في المنطقة. الرسالة التي يرسلها المتحف واضحة وقوية: "الحضارات لا تموت، بل تولد من جديد، من قلب الأهرامات".
تدرك التغطية الإعلامية الاقتصادية الدولية تماماً أن المتحف المصري الكبير هو "محفز" استراتيجي لقطاع السياحة الوطني. السياحة هي مصدر حيوي للعملة الأجنبية لمصر، ويُتوقع أن يؤدي افتتاح المتحف إلى زيادة هائلة في الإنفاق السياحي. حيث الأهداف الطموحة: توقعات باستضافة 18 مليون سائح في عام 2025، وخطط للوصول إلى 30 مليون سائح بحلول عام 2028. كما أن الاستثمارات المصاحبة في البنية التحتية، مثل شبكة المترو والنقل، تؤكد أن المتحف ليس مجرد وجهة، بل هو مركز تنموي متكامل.
• تحديات المجد: صراع الأصالة والترويج الأكاديمي
رغم الترحيب، لم تكن التغطية الدولية خالية من التحليل العميق للتحديات. فقد أشارت إلى تضخم التكلفة لتتجاوز مليار دولار والاعتماد على قروض دولية، معتبرة إياه ثمناً للطموح الحضاري. واعتبرت تقارير متخصصة أن هذا دليل على أن المتحف المصري الكبير هو مشروع "غير قابل للتفاوض" يمثل التزاما ثابتا تجاه الهوية الوطنية.
أحد الجدالات التي اهتمت الصحافة الدولية بتغطيتها هو التوتر الداخلي حول كيفية إدارة المتحف، وتحديدا الصراع بين الترويج التجاري والحفظ الأكاديمي، خشية أن تطغى الحملات التسويقية على التجربة الثقافية الأصيلة. هذا النقاش يعكس نضج الخطاب الثقافي العالمي الذي يطالب بإيجاد توازن بين دوره كـ "محرك اقتصادي" وواجبه الأساسي كـ "مؤسسة علمية للحفظ والبحث".
• إعلان حضاري وبوابة إلى الأبدية
يُعد الافتتاح الكامل للمتحف المصري الكبير تتويجا لجهد بشري ومالي وفني هائل، وقد نجح في تحويل التغطية الصحفية من مجرد سرد للأخبار إلى تحليل معمق لوظائفه الثقافية والاستراتيجية. لقد أكدت التغطية الدولية على أن المتحف ليس مجرد نهاية لمشروع بناء، بل هو بداية لعصر جديد للسياحة والمتاحف العالمية. إنه يقدم رؤية متكاملة للحضارة المصرية القديمة، ورأت فيه الصحافة العالمية أداة دبلوماسية قوية ترفع من مكانة مصر كقوة ناعمة في خضم الصراعات الجيوسياسية الإقليمية.
يمثل المتحف المصري الكبير دليلا على أن الثقافة والحضارة هما القوة الدائمة والرافعة الحقيقية للتأثير الوطني في القرن الحادي والعشرين. إنه "إعلان" صريح ومجيد بأن الحضارات لا تموت، ولكنها تولد من جديد، لتقدم نفسها للعالم كبوابة إلى الأبدية.
|