|
القاهرة 28 اكتوبر 2025 الساعة 11:14 ص

بقلم: د. هويدا صالح
يُعدّ نص "الجبتانا" من أكثر النصوص المثيرة للجدل في تاريخ الدراسات المصرية القديمة. فهو ـ بحسب الروايات التاريخية المتأخرة ـ نص مقدس مصري يُعتقد أنه دون في العصر البطلمي (حوالي 270 ق.م) على يد الكاهن والمؤرخ المصري "مانيتون السمنودي"، الذي جمع فيه خلاصة العقيدة الكونية المصرية ورؤيته لتاريخ نشأة الآلهة والبشر.
تُقدَّم "الجبتانا" في بعض المصادر بوصفها "سفر التكوين المصري"، الذي يكشف البنية الميتافيزيقية والرمزية للحضارة المصرية، ويربط بين الأسطورة والتاريخ، وبين الدين والسياسة، وبين الإلهي والإنساني.
-
أولاً: أصل الجبتانا وتاريخ تدوينها:
وفقًا للمحقق المصري علي علي الألفي، فإن نص "الجبتانا" لم يُكتب مباشرة في عصر مانيتون، بل هو حصيلة نقلٍ شفهي امتدّ عبر خمسةٍ وخمسين جيلاً من الكهنة المصريين، الذين حفظوا نصوص الخلق والأسفار المقدسة داخل المعابد، لا سيما في "هليوبوليس" و"منف" و"طيبة".
وقد أعاد مانيتون ـ بناءً على روايةٍ لاهوتية قال إنه تلقّاها في رؤيا من الإله "رع" ـ صياغة هذه الأسفار في ستة عشر سفرًا أو "كتابًا مقدسًا"، عُرف لاحقًا باسم "الجبتانا"، أي "كتاب المصريين" (من الكلمة القبطية "جبت"، أي مصر).
في القرن العشرين، نُقلت الرواية مجددًا على يد الراهب القبطي "أبيب النقادي"، الذي جمع ما توافر من مخطوطات وشهادات شفوية في صعيد مصر، وأعاد نشرها في مخطوط محدود التداول، لتعود "الجبتانا" إلى دائرة النقاش الأكاديمي المعاصر.
-
ثانياً: بنية الجبتانا ومضامينها:
محور نصوص "الجبتانا" يدور حول "أسطورة التكوين المصرية" خاصة النسخة "الأوزيرية-الهليوبولية"، والتي تروي قصة خلق الكون من مياه "نون" البدائية، وظهور الإله "أتوم" أو "رع"، وتكوين تاسوع هليوبوليس (الإلهة تيفنوت، شو، جب، نوت، أوزيريس، إيزيس، ست، نفتيس)، وقصة أوزيريس وإيزيس وانتقام حورس. هذه النصوص لم تكن مجرد سرد أسطوري، بل كانت رؤية فلسفية ودينية عميقة للمصريين عن أصل الكون، ونظامه، ودور الآلهة والملك في الحفاظ على هذا النظام (ماعت).
ويتألف النص من "ستة عشر سفرًا"، تتنوع بين الأسطوري واللاهوتي والتاريخي. وتشير المرويات إلى أن الجبتانا تبدأ بعملية "انبثاق الوجود من الفوضى المائية"، وتنتهي بظهور الملك "مينا نارمر" وتوحيد وادي النيل.
من أبرز الأسفار ما يلي:
1. سفر انبثاق الآلهة:
يبدأ النص بوصف "العدم المائي" الذي يُدعى "نون"، الذي منه بزغ الإله "رع" على زهرة لوتس، ثم تتابعت ولادة الآلهة: "شو" (الهواء)، "تفنوت" (الرطوبة)، "جب" (الأرض)، "نوت" (السماء).
يظهر في هذا السفر أول تصور مصري لفكرة "الكلمة الخالقة" التي نطق بها الإله "تحوت"، وهو ما يوازي في لغات الشرق القديم فكرة "اللوجوس" الإلهي.
2. سفر أوزيريس:
يتناول قصة مقتل الإله "أوزيريس" على يد أخيه "ست"، في صراع رمزي بين النظام والفوضى، والخير والشر. وتظهر شخصية "ست" هنا بوصفها تجسيدًا للعدوان والظلمة، وهي التي ستتحول لاحقًا ـ وفق قراءات مقارِنة ـ إلى صورة "الشيطان" في الأديان الإبراهيمية.
كما يتضمن السفر إشارات إلى "البعث" و"الحساب"، ما يجعل منه أقدم نصوص الإيمان بالحياة الأخرى في الفكر المصري.
3. سفر الاتحاد الثاني:
يُروى فيه كيف توحدت مصر العليا والسفلى تحت حكم "الملك مينا نارمر"، ويُقدَّم هذا الحدث على أنه امتداد لإرادة الآلهة في تحقيق التوازن (ماعت).
بهذا المعنى، يصبح الحكم السياسي في "الجبتانا" ذا أساس لاهوتي، حيث يُصوَّر الملك كابنٍ للإله رع، وممثلاً للإلهة ماعت على الأرض.
4. سفر الميزان:
يصف هذا السفر مشهد "محكمة الأموات" حيث يُوزَن قلب الإنسان في كفة وريشة "ماعت" في الكفة الأخرى، لتحديد مصيره في العالم الآخر.
هذه الفكرة — التي تعود جذورها إلى "كتاب الموتى المصري" — نجد صداها اللاحق في مفاهيم "الصراط" و"الحساب" و"الجنة والنار" في الديانات اللاحقة.
-
ثالثاً: الجبتانا والأديان السامية:
من أكثر القضايا إثارة للجدل في دراسة "الجبتانا" هي "علاقتها بالتراث السامي واليهودي والمسيحي والإسلامي". فبحسب بعض الباحثين، يحتوي النص على مفردات ومفاهيم سبقت الأديان الإبراهيمية في ظهورها في الجبتانا، مثل:
ـ الفردوس (البارادويس)، كمكان سماوي للنقاء.
ـ جهنم (جي هنوم)، كمكان للعقاب.
ـ ست/الشيطان، كرمز للقوى المتمردة على الإله.
ويرى بعض المؤرخين، كالألفي (في "أصول الميتافيزيقا المصرية")، أن هذه التشابهات ليست مصادفة، بل تشير إلى أن "المتون المصرية كانت المصدر الأولي لكثير من المرويات اللاهوتية اللاحقة"، وأن مصر كانت "صانعة ضمير العالم المتدين"، على حد تعبيره.
-
رابعاً: القيمة الفكرية والرمزية للجبتانا:
تمثل "الجبتانا" في منظور الدراسات الحديثة محاولة لفهم "الفكر المصري كمنظومة كونية متكاملة"، لا باعتباره مجرد أساطير متفرقة. فهي تقدم تصوراً فلسفياً للعالم يقوم على:
ـ وحدة الوجود بين الإله والكون.
ـ التوازن كقانون كوني (ماعت).
ـ القدر الإلهي الذي يربط نشأة الإنسان بمسؤوليته الأخلاقية.
كما تكشف "الجبتانا" عن"عمق البنية الرمزية للوعي المصري"، الذي ربط بين الظواهر الطبيعية (الشمس، النيل، الفصول) والمبادئ الإلهية، فحوّل العالم إلى مرآةٍ للألوهة.
لم يكن تحقيق علي علي الألفي مجرد جمع للمعلومات، بل كان عملية **إعادة بناء** معقدة. اعتمد الألفي على عدة مصادر رئيسية:
1. الشذرات المنسوبة لمانيتون: التي حفظها مؤرخون مثل "يوسيفوس فلافيوس" و"جيورجيوس سينسلوس".
2. النصوص الدينية المصرية: مثل "نصوص الأهرام" و"نصوص التوابيت" و" كتاب الخروج إلى النهار" الشهير خطأ بـ "كتاب الموتى"، والتي تحتوي على أقدم روايات الخلق المصرية.
3. كتاب "إعادة بناء نصوص مانيتون" للمستشرق فولكر: الذي حاول هو الآخر تجميع عمل مانيتون.
4. المقارنة مع التراث اليوناني: لتمييز الرواية المصرية الأصلية عن التأثيرات الهلينستية.
قام الألفي بمقارنة هذه المصادر المختلفة، محاولاً فصل ما هو مصري أصيل عما هو دخيل أو محرف. وقد ساعده في ذلك إلمامه باللغة المصرية القديمة وثقافتها، مما مكنه من تفسير الرموز والمصطلحات في إطارها الصحيح، وليس من خلال المنظور اليوناني فقط.
-
خامساً: الجبتانا بين الأسطورة والتاريخ:
بينما فقد النص الأصلي لمانيتون، لم يتبق لنا سوى شذرات متناثرة لدى مؤرخين لاحقين مثل يوسيفوس فلافيوس. لكن "الجبتانا" تظل نصاً منفصلاً، أو مجموعة نصوص، تدور حول أصول الخلق وأساطير التكوين المصرية. ويأتي تحقيق الباحث المصري علي علي الألفي لها ليمثل محاولة جريئة لإخراج هذا الكنز المعرفي من دائرة الغموض إلى حيز الدراسة والتحليل.
غير أن "قيمتها المعرفية" لا تكمن في وجودها المادي فحسب، بل في ما تمثله من "حلم ثقافي مصري بإعادة كتابة ميثولوجيته الكبرى" بلغةٍ توازي نصوص التكوين في الحضارات الأخرى.
تمثل "الجبتانا" "وثيقة فكرية كبرى عن الوعي المصري القديم"، الذي رأى في الخلق والتاريخ وجهين لحقيقة واحدة، وفي الإنسان وريثًا للألوهة على الأرض. إنها شهادة على أن مصر، كما قال الألفي، "هي صانعة ضمير العالم المتدين، ومتونها المقدسة هي جذر المتون العبرية والسامية".
مانيتون جامع هذه النصوص الفريدة كان كاهناً مثقفاً في مدينة سمنود، مما منحه لقب "السمنودي". كانت مهمته، كما تروي المصادر، كتابة تاريخ مصر بلغة الحكام الجدد (اليونانية) مستنداً إلى السجلات والبرديات المصرية المحفوظة في المعابد. هذا الموقع الفريد جعله جسراً بين المعرفة المصرية العميقة والثقافة الهلينستية السائدة، مما أهله لأن يكون الناقل الأمين لأساطير التكوين التي كانت حكراً على الكهنة في غرفهم المقدسة.
"الجبتانا" في تحقيق علي علي الألفي ليست مجرد كتاب تاريخي، بل هي رحلة استكشافية في عقلية المصري القديم وروحه. إنها تذكرنا بأن تاريخ مصر ليس مجرد تواريخ ومعارك وأسماء ملوك، بل هو نسيج معقد من المعتقدات والأساطير والفلسفات التي شكلت هوية واحدة من أعظم حضارات العالم. عمل الألفي، رغم كل التحديات، يفتح نافذة نطل منها على اللحظة التأسيسية التي بدأ فيها المصريون في تسجيل رؤيتهم للكون والخليقة، محولين الفوضى المائية "نون" إلى نظام إلهي وإنساني متكامل، وهو الإرث الذي ما زال يثير إعجاب وفضول العالم إلى اليوم.
|