|
القاهرة 28 اكتوبر 2025 الساعة 11:13 ص

عاطف محمد عبد المجيد
لا يزال قدماء المصريين موضع إعجاب الشعوب في كل مكان وزمان، لما ظهر من آثارهم التي بهرت العالم بفخامتها وقاومت أعاصير العصور، وأفاعيل الدهور. فكيف لا تكون موضع إعجابنا اليوم ونحن سلالتهم، وأجدر أن نفتخر بهذه الآثار الخالدة التي تعبر عن مجدهم الصميم وفخرهم القديم.
هذا ما يقوله أنطون زكري في كتابه "الأدب والدين عند قدماء المصريين" الصادر عن مجموعة بيت الحكمة للثقافة ضمن سلسلة مصريات، وفيه يقول إن قدماء المصريين لم ينالوا الفخار الخالد بكثرة الغزوات وشن الغارات، إنما ما جعلهم في مقدمة معاصريهم من الأمم هو رسوخ أقدامهم في المدنية، وتمسكهم بالمبادئ القويمة، وغزارة علومهم، وسمو مداركهم، وعدالة أحكامهم، فقد بلغوا في الفنون والآداب والصناعات درجةً لم يدركها أحد من البشر قبلهم، لذا كان عصرهم عصرًا ذهبيًّا بلغوا فيه من المجد شأوًا عظيمًا، بينما كانت أوروبا الغربية في عصرها الحجري.
الزكري يذكر هنا أن مصر هي أصل حضارة العالم، وينبوع المدنية، ومصدر الارتقاء، بدليل آثارها التي أدهشت العقول، وحسبنا فخارًا أن أعاظم فلاسفة اليونان كبيتاجور وإيشلون وأفلاطون تلقوا الفلسفة العالية والحكمة البالغة المصرية في مدرسة عين شمس، وتغذى سيدنا موسى كليم الله بلبان العلم في مصر، مشيرًا إلى أن هيردوت وغيره من المؤرخين اليونانيين قالوا إن مصر هي أم العجائب والغرائب، وليس سبب ذلك حُسن هوائها ولا مناظر آثارها فقط، بل الجدير بالإعجاب هو أخلاق شعبها وعاداته واعتقاده بوحدانية الله الفرد الصمد، وبخلود النفس ودينونتها، والنعيم والجحيم، لا سيما ما كانت عليه المرأة المصرية من تمتعها بجميع حقوقها المادية والأدبية حتى الاستواء على عرش المُلك خلافًا لما كانت عليه المرأة الشرقية أو اليونانية في تلك العصور الخوالي.
هنا يؤكد أنطون زكري أن عظماء أوروبا لا يزالون يُعجبون إعجابًا كبيرًا بقدماء المصريين، ولا يزال لديهم شغف عظيم للوقوف على عاداتهم الراقية وأفكارهم السامية، ولا يزالون يحرصون على استكشاف آثارهم وكشف النقاب عن حقيقة مدنيتهم، لأنهم يعتبرونهم أجدادًا لهم في العلم والحكمة، ويرونهم منبع علومهم وفنونهم وآدابهم، ذاكرًا أن العلماء يتساءلون اليوم كيف وصل قدماء المصريين إلى هذه الدرجة من الكمال الأدبي؟
هنا يقول الكاتب إن ديانة قدماء المصريين كانت صعبة الإدراك، وأساسًا لكل شيء، وقد طال أجلها زمنًا طويلًا، وكان المصريون القدماء يعرفون في أمور الدين أكثر من غيرهم من الأمم القديمة الأخرى، إذ كانوا يعتقدون بالحياة في العالم الثاني، وبمكافأة الصالحين ومعاقبة الطالحين، وقيامة الأجساد، ووجوب وجود آداب سامية قائمة على المحبة القلبية، وعلى بغض الرذائل والنفور منها، مشيرًا إلى أن الدين وحب الوطن كانا مرتبطين معًا ارتباطًا تامًّا عند قدماء المصريين حتى قالوا: من لا دين له لا وطن له، وأن حب الوطن أشرف حُلة تحلى بها أجدادنا وهو من شيمة أصحاب النفوس الكبيرة، ذاكرًا أن هيردوت قال إن المصريين أكثر تدينًا من جميع الشعوب القديمة، وكانت حركاتهم وسكناتهم لله تعالى وحده، مستنكرًا زعم الذين قالوا إن قدماء المصريين عبدوا الأوثان في كل العصور، بينما الحقيقة التي تشير إليها الآثار المنقوشة في المقابر والمعابد والمكتوبة على أوراق البردي تدل على أنهم كانوا يعبدون الله الفرد الصمد.
زكري، متحدثًا عن المصري القديم، يقول إن المصري جعل نصب عينيه مجد وطنه العزيز فعكف على خدمته وعمل على رفع عماد أمته وتشييد ركن دولته، وقد رسخ في ذهن المصري القديم أن الصالح العام مقدم على الصالح الخاص، وأن حياة الجسد كله أثمن من حياة العضو، وأن الإنسان يضحي بعضو من أعضائه من أجل حياة بقية أعضاء جسده، وكان المصري القديم شديد الاهتمام بالمحافظة على حقوق وطنه، ويُعد الخائن لوطنه ظالمًا وجبانًا ومحبًّا لذاته، غير أنه وفي أواخر الدولة الحديثة حدث انحطاط أدبي وديني بسبب الثورات العديدة التي توالت عليها واستمرت حتى العصر الروماني، وقد أدى اختلاطهم بالأجانب إلى أفول نجم سعدهم وضعف دينهم وعقائدهم حتى زال مجد هذا الشعب القديم ودينه القويم.
بينما حين يتحدث الكاتب عن آداب قدماء المصريين يقول إن فلاسفة اليونان مثل تاليس وفيثاغور وأفلاطون أتوا مصر وارتووا من مناهل العلم والأدب التي كانت زاخرة فيها، وأحرزوا قصب السبق في الحكمة والفلسفة حتى عمّ صيتهم الآفاق، وهم الذين حفظوا لتاريخ مصر الشهرة والسمعة، مشيرًا إلى أنه حين جاء شامبوليون منذ قرن فتح المُغلق من اللغة المصرية القديمة، فوقفنا على كثير من النقوش التاريخية والشعرية والحسابية وغيرها، وعرفنا أن قدماءنا وصلوا إلى درجة سامية في علم الآداب، وأن كهنتهم دعوا الناس إلى عقيدة الوحدانية وإثباتها لله وحده، مشيرًا إلى أن علماء اليونان قد نقلوا إلينا بعض التفاصيل من أخلاق قدماء المصريين، وعثرنا على كثير من الأوراق البردية التي أنبأت عن آدابهم الدينية السامية، عززها ما كان منقوشًا على جوانب المقابر وجدران المعابد من صلوات وأدعية دلت على ارتقاء نفوسهم في الدين والأدب.
هنا نجد كذلك نصائح قاقمنا الحكيم المصري القديم ومنها: متى كان الإنسان خبيرًا بأحوال دنياه سهل عليه أن يكون قدوة حسنة لذريته، واسلك طريق الاستقامة لئلا ينزل عليك غضب الله، كما نقرأ أمثال فتاح حتب الفيلسوف المصري القديم ومنها: لا توقع الفزع في قلوب البشر لئلا يضربك الله بعصى انتقامه، إن حدود العدالة لثابتة وغير قابلة للتغيير، ما أعظم الإنسان الذي يهتدي إلى الحق وإلى الصراط المستقيم، لا تخن من ائتمنك لتزداد شرفًا ويعمر بيتك، لا تستبد لئلا تضل، إذا شئت أن تطاع فسل ما يستطاع، لا تكن يابسًا فتكسر ولا لينًا فتعصر، وكن بشوشًا ما دمت حيًّا.
أيضًا نطالع هنا نصائح "آني" الحكيم المصري القديم لتلميذه خونسو حُتب ومنها: النظام في البيت يكسبه حياة حقيقية، إذا لقيت في طريقك من يتجاهلك فغض طرفك عنه، كن شهمًا شجاعًا فإن الجبان لا يستفيد من الحياة غير ما وهب الله له، إذا فاتتك فرصة فترقب غيرها، لا تجرح بكلامك شعور الناس فيستهان بك، والزم الصمت إذا لم يكن داع للكلام، والحب أعمى لأنه يصور قبيح المحبوب جميلًا لشدة ميل النفس إليه، كما يورد الكاتب هنا أمثال وحكم مروية عن الأديب المصري القديم أمِنبت بن كانخت ومنها: لا تذكر أحدًا بسوء واجعل كلامك دائمًا في الخير وابتعد عن الشر، لا تشتهِ مال غيرك، لا تصادق على قول الكاذب لئلا يصدقه الناس بسببك فتكون أشر منه.
كما يكتب أنطون زكري هنا عن مركز المرأة الفرعونية في عهد استقلال مصر التام وعصر استعمارها العام، عن التعليم الشبيه بالإجباري عند قدماء المصريين، عن الفنون الجميلة، عن صفة الرقص وأنواعه، عن السحر عند قدماء المصريين، عن العلَم المصري قديمًا وحديثًا، عن آلام أسوريس ورثاء أسيس، وعن أقسام مصر الإدارية القديمة، قائلًا في النهاية إن التقدم في مضمار الحضارة، والرقي المادي والأدبي، إنما هو راجع إلى فضل العلماء الذين اكتشفوا أسرار لغة أجدادنا التي دلت على مدنية عريقة وعِلم وعرفان.
|