|
القاهرة 28 اكتوبر 2025 الساعة 11:11 ص

بقلم: كريم عبد السلام
سؤال مهم أحب أن أبدأ به هذا المقال استمرارا لحديثنا السابق: هل يمكن لروبوت الذكاء الاصطناعى أن يتوقف عن أداء مهمته رغم ضغط زر التشغيل؟ هل يملك روبوت الذكاء الاصطناعي أن يرفض أداء مهمامه المحددة فى يوم من الأيام؟ وهل يملك إرادة التعديل على الأوامر المخزنة في الهارد ديسك الخاص به؟ ببساطة هل يملك روبوت الذكاء الاصطناعى أن يقول لمالكه البشري: لن أعمل اليوم ؟ أو أن يعترض على ضغط العمل مثلا ؟ أو أن يتهم مالكه بمخالفة مواثيق وعهود العمل الدولية؟
أعتقد ويعتقد كثيرون معي أننا بصدد الحديث عن ماكينات في النهاية، بما يعني أدوات قابلة لتنفيذ أوامر التشغيل بشرط وجود إرادة بشرية تضغط زر التشغيل أو توصل الكهرباء الضرورية لبدء التشغيل، وأن هذه الماكينات يمكن أن تكون أسرع في تنفيذ المهام، أدق في التنفيذ، وتقوم بأكثر من مهمة في وقت واحد، لكنها لا يمكنها أن تأتي بشيء جديد تماما ليس مخزنا فيها، أو أن تبتكر منتجًا ليس له مدخلات عندها، كما لا يمكنها أن تتخذ قرارات بناء على شعور أو حدس أو خيال أو إرادة مستقلة، لأنها لا تملك إرادة أو مشاعر أو حدوسا، لا تملك وعياً ولا تمتلك ذاتاً بالمعنى المتعارف عليه للذات الإنسانية.
حتى يمكن القبول بمنطق الصراع بين الذات الإنسانية والذكاء الاصطناعى، لا بدَّ من تعريف الذات الإنسانية ومعرفة قدرات الذكاء الاصطناعي وهل يمكن الوصول إلى نوع من الذات الروبوتية المكافئة للذات الإنسانية أم لا؟
مفهوم الذات الإنسانية، شغل الفلاسفة وعلماء النفس منذ العصور القديمة، ولا تخلو فلسفة أو حكمة شرقية أو غربية من تعريفات متنوعة ومتباينة للذات، تتفق على مكونات ثلاثة، هي الإرادة والوعى والحس، سقراط مثلا يرى الذات الإنسانية خليطاً من قدرة الإنسان على التحليل وبناء المنطق وملكاته الشخصية، فالذات تتحقق بالإرادة والوعي، وهي الوعي بالوجود الخارجي والداخلي والإدراك الحسي لأسباب وجود الأشياء والكائنات، أما بوذا فيرى الذات توجد وتتحقق من خلال قهر اللذة بدون ألم، أي أن الإرادة هي صلب وجود الذات وتكتمل بالوعي الذى يمكنها من تجاوز اللذات دون ندم أو ألم، أما أرسطو، فيرى الذات تتكون من عنصرين أساسيين هما الجوهر والمظهر، فالجوهر يتمثل في كيفية تلقى الأشياء المحيطة من خلال تحكيم العقل والمظهر ويقصد به الإحساس الخارجى، ومن جانبه يرى ابن رشد الذات الإنسانية هي إدراك الوجود بالعقل والحواس، والكون عبارة عن مادة وعقل، والعقل نوعان، عقل فاعل متعال غير قابل للفناء وعقل إنساني منفعل يطلب دائما الاتصال بالعقل الفاعل المتعالي (الإلهي)، بينما يرى كونفوشيوس الذات على أنها إرادة العيش والبقاء، فبدون نفس قادرة على إدراك الخير والشر لا يمكن أن تكون للحياة أسباب للعيش.
الفلاسفة المحدثون لم يبتعدوا كثيرا عن التفسيرات السقراطية والأرسطية للذات، "إيمانويل كانت" مثلا يرى أن الفلسفة النظرية هي التي تحدد طبيعة "الذات" وتضع قوانينها بينما الفلسفة العملية هي التي تحقق هذه "الذات"، وتنقلها من مجال الفكر إلى مجال الوجود، ويفرق بذلك بين مجالين الأول نظري ويخص علم الطبيعة وما هو موجود، والثاني نظري ويخص الحرية وما ينبغي أن يكون، أي أن كانط يقول بوجود عقلين، نظري يجمع المبادئ العقلية الخالصة وعقل عملي يحتوي على محددات كل فعل، أما هيجل فيرى أن الوعي والإدراك والحس هى الصفات التى تشكل الذات وتمنح العقل، باعتباره الوحدة التي يجب أن تضم كل شيء، مقوماته حتى ينطلق إلى معرفة الحقيقة، كما أن حركة الوعي الجدلية محكومة بتفاعل الآخر الذى يحدد قدرة الذات على الوعي أصلا.
وللحديث بقية..
|