|
القاهرة 28 اكتوبر 2025 الساعة 11:10 ص

بقلم: أمل زيادة
سكان كوكبنا الأعزاء..
ها نحن نلتقي من جديد، يبدو أن الهدوء بدأ يعم العالم مرة أخرى، لقد توقف إطلاق النار أخيرا، توقفت شلالات الدماء، سنبدأ عهد جديد بأحلام لا نهاية لها وخطط ممتدة، سنعوض كل ما فاتنا.
أثبتت التجربة أننا شعوب تموت إذا توقفت على الحلم، ربما لأنها الشيء الوحيد الذي يجعلنا نتحمل الظروف ونتخطى الصعاب.
الأحلام... ذلك العالم الموازي الذي يكشفنا لأنفسنا.
تبدأ أحلامنا في لحظة ما بين النوم واليقظة، حين يهدأ الجسد وتتحرر الروح من صخب الواقع، تبدأ في نسج خيوطها، خيوط شفافة لكنها متينة بما يكفي لتكشف عن أعماقنا المخفية. ربما لأنها ليست مجرد صورٍ عابرة أو هذيان ليل، بل هي اللغة التي تتحدث بها النفس حين يُخرسها النهار، والمرآة التي تجرؤ على إظهار ما لا يجرؤ الواقع على قوله.
الأحلام هي مملكة الحرية المطلقة، حيث لا قوانين ولا حدود ولا منطق يقيّد الرغبة أو الخوف. في الحلم يمكن للطفل أن يصعد إلى السماء، وللشيخ أن يعود إلى شبابه، وللمقهور أن ينتصر، وللغائب أن يعود، إنها مساحة من الصدق الرمزي الذي يتجاوز الواقع ويعيد صياغته بلغة القلب، ولذلك هي مادة خصبة للأدب والفن، إذ يجد فيها الكاتب والمبدع بئرًا من الصور والمعاني التي لا تنضب.
منذ القدم، تعامل الإنسان مع الحلم باعتباره رسالة، رآها الفراعنة وسيلة للاتصال بالعالم الآخر، واليونان جعلوه صوت الآلهة، وفي التصوف يعتبر الحلم بابًا للرؤية والكشف، أما في الأدب الحديث، فقد صار وسيلة فنية لاكتشاف الذات، كما نرى في روايات فرانز كافكا أو يوسف إدريس أو رضوى عاشور، حيث يتداخل الحلم مع الواقع حتى يصير التمييز بينهما عبثًا، وكأن الكاتب يقول لنا: ما الواقع إلا حلم طويل.
لا تكتفي الأحلام بأن تمنحنا العزاء، بل تمنحنا الفهم، حين نحلم، نعيد ترتيب الخوف، ونعيد بناء الفقد، ونتفاوض مع ما يؤلمنا بلغة الرموز. امرأة تطير فوق بحرٍ لا نهاية له، أو باب يفتح على غرفة مظلمة، أو صوت يناديك من بعيد... كل هذه المشاهد ما هي إلا تجليات لما نكتمه في أعماقنا.
لذا، من يكتب عن حلمه يكتب عن ذاته بصدقٍ لا تستطيع اليقظة أن تمنحه، لأننا ببساطة صرنا نفقد قدرتنا على الحلم في زمن السرعة والانشغال.
ننام بأجسادنا فقط، دون أن نترك للروح فرصة التحليق، المبدع الحقيقي يعرف أن الحلم هو أول بذرة للفكرة، كم من أفكار عظيمة ولدت من أحلام غير معد لها، فالرواية تبدأ بحلم، والقصيدة تنبثق من رؤيا، وحتى أعظم الاكتشافات كانت ومضة حلم في عقلٍ متعب.
إنّ أهمية الأحلام لا تكمن فقط في كونها ملاذًا من الواقع، بل لأنها تذكّرنا بأننا بشر، نحمل في داخلنا عوالم لا تُرى،الأحلام لا تعرف الخداع، ولا تساوم، ولا تتجمل، إنها شكلٌ من أشكال الحقيقة، تلك التي تلبس قناع الغموض كي نحترمها، لا كي نهرب منها.
ربما لهذا السبب قال الشاعر: "الأحلام ليست ما نراه ونحن نائمون، بل ما يمنعنا من النوم حين نستيقظ".
إذا أصغينا إلى الأحلام التي تُراودنا ليلًا بصدق، قد تتحول في النهار إلى طريقٍ نسلكه، أو نصٍّ نكتبه، أو حياةٍ نعيد اختراعها من جديد.
سكان كوكبنا الأعزاء.. حافظوا على أحلامكم لأنها السبيل الوحيد للتمسك بالحياة...
لذا كونوا بالقرب، ما زال للحديث بقية..
|