|
القاهرة 21 اكتوبر 2025 الساعة 09:39 ص

د. هويدا صالح
إن بردية إنسنجر (Papyrus Insinger) ليست نصًا تربويًا وأخلاقيًا مصريًا من العصر البطلمي (القرن الأول ق.م) فقط، بل هي تمثل خلاصة الفكر القيمي في مصر القديمة. ومن المهم لقارئ اليوم في عصر العلومة والسوشيال ميديا أن يتعرف على فلسفة الهرم القيمي في البردية؛ من أجل التعرف على التعاليم التربوية المتعلقة بالعقاب، الضبط، والرحمة، مع ربطها بنظريات الفلسفة وعلم النفس التربوي الحديث. لنخلص إلى أن الحكمة المصرية القديمة سبقت في جوهرها التصورات الحديثة عن التربية الأخلاقية، من ميشيل فوكو إلى كانط ودوركايم.
تُعد بردية إنسنجر من أواخر النصوص الأخلاقية التي حفظت صوت الحكمة المصرية في أواخر العصر البطلمي، وقد دوِّنت باللغة الديموطيقية. واللغة الديموطيقية هي المرحلة الثالثة من تطور اللغة المصرية القديمة، بعد الهيروغليفية والهيراطيقية، وهي تمثل الكتابة الشعبية أو لغة الحياة اليومية للمصريين في العصور المتأخرة.
واحتوت البردية على نحو خمسةٍ وعشرين فصلًا من التعاليم والمواعظ الأخلاقية التي تنظم علاقة الإنسان بالكون والمجتمع والأسرة. وتُقدّم رؤية تربوية متكاملة تجعل من القيم الأخلاقية نظامًا هرميًا يتدرج من الإلهي إلى الإنساني، ومن الكوني إلى الفردي، بحيث يصبح كل سلوك إنساني انعكاسًا للنظام الإلهي الكامن في مفهوم "ماعت" (العدالة والنظام الكوني).
الهرم القيمي في البردية:
يُبنى الوعي الأخلاقي في بردية إنسنجر على ثلاث مستويات متراتبة:
1. العدالة الإلهية (ماعت): المبدأ الأعلى الذي به يستقيم الكون.
تقول البردية:
"ما يضعه الإله في قلب العاقل، لا يضله أحد" (col. 2, line 6)
هذا النص يربط بين الضمير الإنساني والعدالة الإلهية، مؤكدًا أن الأخلاق نابعة من قانون داخلي لا من خوف خارجي.
2. الحكمة العملية: تجسيد ماعت في سلوك الفرد.
"الحكيم لا يُسرف في كلامه، ولا يطلب ما لا يستحق". (col. 3, line 9)
فالحكمة في بردية إنسنجر ليست معرفة نظرية بل فنّ التوازن وضبط النفس.
3. القيم الاجتماعية والأسرية: التطبيق الأخلاقي في العلاقات اليومية.
"عاقب ابنك في صغره لئلا يبكيك في كبره". (col. 6, line 8)
فالعقاب في فلسفة البردية حماية للابن من نفسه، وليس إذلالًا له.
3. التربية كحماية لا كقهر:
تظهر البردية وعيًا مبكرًا بأن التربية هي فعل ضبط رحيم، حيث تقول:
"ليكن تأديبك برحمة، لأن اليد القاسية تزرع الكراهية في القلب" (col. 7, line 3)
هذا المفهوم يتقاطع مع ما طرحه ميشيل فوكو (1975) في تحليله لآليات السلطة التأديبية التي تهدف إلى تشكيل الذات لا قمعها. كما يلتقي مع ما قدّمه ألبرت باندورا (1977) في نظرية "التعلّم بالملاحظة" التي ترى أن النموذج السلوكي الهادئ أكثر فاعلية من العقاب البدني في بناء الضمير الأخلاقي.
من ثمّ، فإن إنسنجر يعبّر مبكرًا عن جوهر التربية الحديثة: "تكوين الضمير الداخلي بدل فرض الطاعة الخارجية".
4. توازن السلطة والحنان:
"لا تترك ولدك يفعل ما يشاء، فعينك التي تراه تصنع له حدودًا". (col. 5, line 10)
هذا التوجيه يعبّر عن وعي دقيق بتوازن السلطة والحنان، وهو ما يشبه ما توصل إليه "جون بولبي" (1969) في نظريته حول "التعلق الآمن" (Secure Attachment)، حيث إن حضور الأبوين المراقب والداعم يمنح الطفل شعورًا بالاستقرار النفسي ويحدّ من السلوك الفوضوي.
كذلك نجد عند "إريك إريكسون" (1950) أن الطفولة المبكرة تقوم على توازن بين الحرية والضبط، وهي الفكرة ذاتها التي صاغها المصري القديم ببساطة رمزية في نصه عن "العين التي تضع الحدود".
5. الحكمة وضبط النفس:
"الحكيم لا يُسرف في كلامه". (col. 3, line 9)
في هذا القول تتجلى فكرة ضبط الانفعال، وهي القيمة التي جعلها الفلاسفة الرواقيون (مثل سينيكا وماركوس أوريليوس) جوهر الفضيلة، إذ لا يبلغ الإنسان الحكمة إلا حين يسيطر على رغباته.
وفي علم النفس الإيجابي الحديث، يرى "مارتن سليجمان" (2002) أن "التحكم في الذات" أحد أعمدة السعادة والنجاح الأخلاقي.
وبذلك تبدو بردية إنسنجر وكأنها تقدم صيغة بدائية لما نعرفه اليوم باسم "الذكاء الانفعالي" (Emotional Intelligence).
6. البعد الاجتماعي للتربية:
"الابن الذي يُهمل أبوه تأديبه، يُصبح عبئًا عليه وعلى الناس". (col. 4, line 5)
هذه الحكمة تتجاوز البعد العائلي لتؤكد أن صلاح الابن ضرورة مجتمعية، وهي الرؤية نفسها التي عبّر عنها "إميل دوركايم " (1922) حين عدّ التربية "وسيلة المجتمع للحفاظ على استمراره الأخلاقي"، و"جون ديوي" (1916) الذي رأى أن المدرسة "مجتمع مصغّر يُعلّم القيم من خلال الممارسة اليومية".
وهكذا فإن التربية في تصور إنسنجر ليست شأنًا شخصيًا، بل مسؤولية جماعية تهدف إلى حفظ "ماعت" في المجتمع.
7. الضمير كقانون داخلي:
في البردية نقرأ أيضا:
"ما يضعه الإله في قلب العاقل، لا يضله أحد". (col. 2, line 6)
يتجلى مبدأ الضمير الأخلاقي بوصفه البوصلة الداخلية التي تحكم السلوك، وهو ما يشبه ما صاغه "إيمانويل كانط" (1788) في عبارته الشهيرة: "القانون الأخلاقي في داخلي، والسماء المرصعة فوقي".
فكما جعل كانط الأخلاق نابعة من الإرادة العاقلة، جعل إنسنجر العدالة مغروسة في القلب، أي أن الإنسان مدعو لاكتشاف القانون الأخلاقي لا لاكتسابه خارجيًا.
تؤكد بردية إنسنجر أن الفكر التربوي المصري كان فلسفيًا في جوهره، إذ رأى في التربية "عملية كونية" تهدف إلى استعادة النظام الإلهي في الإنسان والمجتمع.
و تظل بردية إنسنجر نصًا تربويًا خالدًا، يحمل رسالة تتجاوز العصور: أن "العدل والحكمة والرحمة" هي القيم التي تحفظ الإنسان من التفسخ، وتجعله في انسجام مع نفسه ومع الكون.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Bandura, A. (1977). *Social Learning Theory*. Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall.
Bowlby, J. (1969). *Attachment and Loss, Vol. 1: Attachment*. New York: Basic Books.
Dewey, J. (1916). *Democracy and Education*. New York: Macmillan.
Durkheim, É. (1922). *Education and Sociology*. Paris: PUF.
Foucault, M. (1975). *Surveiller et punir: Naissance de la prison*. Paris: Gallimard.
Griffith, F. Ll. (1926). *The Instruction of Papyrus Insinger*. Oxford: Oxford University Press.
Kant, I. (1788). *Critique of Practical Reason*. Hamburg: Felix Meiner Verlag.
Lichtheim, M. (1980). *Ancient Egyptian Literature, Vol. III: The Late Period*. Berkeley: University of California Press.
Seligman, M. (2002). *Authentic Happiness*. New York: Free Press
|