|
القاهرة 20 اكتوبر 2025 الساعة 01:18 م

كتبت: إنجي عبدالمنعم
تصوير: هبة عبدالوهاب
شهدت خشبة مسرح فوزي فوزي بأسوان مساء أمس (الذي يوافق اليوم الثالث على التوالي لفعاليات مهرجان أسوان "تعامد الشمس")، لوحة فنية ساحرة رسمتها فرقة بورسعيد للفنون الشعبية. كانت هذه الأمسية بمثابة جسر ممتد من الشمال إلى الجنوب، يحمل عبق البحر المتوسط إلى قلب النوبة الدافئ، احتفالاً بالظاهرة الفلكية الفريدة لتعامد الشمس على وجه تمثال رمسيس الثاني.
تحت إدارة وتصميمات المدير ومصمم الاستعراضات، محمد أبو صالح، العرض يعد معرضاً حياً للأزياء الشعبية، قصة تُروى بالألوان والشكل، حيث تنوعت هذه الأزياء، وكل زي حمل بصمة بحرية أو رمزاً وطنياً عميقاً. تجلى هذا التنوع في لوحات تمثل حياة البحر، فظهرت الفرقة في رقصة الصيادين مرتدية أزياء تعكس نقاء المتوسط، إذ تميزت الراقصات بفساتين قصيرة تتأرجح بحيوية باللون الأزرق الفيروزي المتلألئ كأمواج القناة، والمزدانة بالأسود والأحمر، بينما ارتدى الراقصون الأزياء البحرية البيضاء النقية، ليعكسوا تراث بورسعيد كمدينة ساحلية صلبة، بما يوحي بالنشاط والحيوية التي تتسم بها موانئها.
وفي فقرة غنائية راقصة أخرى بالغة الأهمية، التي جسدت تراثها بعمق، ارتدى الراقصون والراقصات أزياء جمعت بين الأخضر والأحمر والأبيض. هذه الألوان، التي تشكل نسيجاً أساسياً في بعض الأزياء الشعبية التراثية، تحمل في بورسعيد تحديداً دلالات أعمق ترتبط بتاريخ المقاومة والنضال، إذ تذكر المشاهدين بألوان العلم الوطني المصري، وربما تحاكي رمزياً الألوان الأساسية للعلم الفلسطيني. وبالتالي، وفي سياق المهرجان، وعلى ضوء الوعي الوطني، اكتسب هذا التناغم اللوني دلالة رمزية للتضامن العميق والاحتفاء بالعروبة والقضية الوطنية، في رسالة فنية تتجاوز الرقص إلى الوجدان. وكل هذا التعبير البصري والإيقاعي يتم على وقع آلة السمسمية العريقة، التي تعد الروح الموسيقية لبورسعيد ومدن القناة، حيث تناغمت حركات الراقصين برشاقة لتعكس قصة المدينة الباسلة، ليتألق "أبو صالح" في تقديم استعراضات جمعت بين حيوية البحر ووقار التراث، محافظاً على هوية الفرقة ومضيفاً لمسة تجديدية جذابة.
تعد هذه الفقرة امتدادا لمسيرة فنية حافلة بدأت منذ ستينيات القرن الماضي. إن فرقة بورسعيد للفنون الشعبية، التي تأسست عام 1964 على يد رواد مثل الراحل محمد مراد وأحمد عبده، تُعد منارة للتراث الشعبي المصري الأصيل. تجاوز عمر الفرقة الخمسين عاماً، وهي تروي عبر رقصاتها وتشكيلاتها الفنية حكايات بورسعيد التاريخية والنضالية، من خلال رقصة "الضمة" الشهيرة، واستخدام آلة السمسمية كعنصر أساسي في أغلب لوحاتها. وعلاوة على ذلك، لم تكتفِ الفرقة بالانتشار المحلي، بل رفعت اسم مصر في أكثر من 40 مهرجاناً دولياً حول العالم، حاصدة العديد من الجوائز المرموقة، أبرزها جائزة مهرجان باريس عام 1994.
تتأكد رسالة هذا المهرجان الكبرى. في هذه الأمسية، إذ ترسخ فكرة أن مصر نسيج واحد، تتناغم فيه فنون القناة والبحر الأحمر مع تراث الصعيد العريق. واختتمت فرقة بورسعيد عرضها بتصفيق حار، تاركة خلفها أثراً من الفرح، وشهادة فنية تؤكد أن الفن الشعبي، حين يكون متجذراً ومصمماً ببراعة كإبداعات محمد أبو صالح، يظل دائماً شعلة مضيئة لا يخفت بريقها، حتى تحت وهج شمس أسوان التاريخية، حاملاً رسالة فنية ووطنية موحدة من أقصى الشمال إلى قلب الجنوب.
قد انطلق مهرجان أسوان لتعامد الشمس على وجه تمثال الملك رمسيس الثاني، وهو احتفالية ثقافية ضخمة تنظمها الهيئة العامة لقصور الثقافة. بدأت الفعاليات مساء الخميس 16 أكتوبر 2025، وشهد يوم الجمعة 17 أكتوبر 2025 (منذ يومين) الافتتاح الرسمي المبهج، الذي تزين بعروض استعراضية لثماني فرق من الفنون الشعبية المصرية. وتستمر هذه الأنشطة الثقافية والفنية في أسوان حتى يوم 22 أكتوبر الجاري 2025، حيث تختتم بذروة الحدث: لحظة تعامد الشمس على وجه التمثال، احتفاءً بعبقرية الحضارة المصرية وتنشيطًا للسياحة.






|