|
القاهرة 20 اكتوبر 2025 الساعة 08:51 ص

كتبت: إيمان السباعي
سيطرت هواجس وأسئلة القرن الجديد حول الذكاء الاصطناعي على محور جلسات المؤتمر المصاحب لمهرجان الموسيقى العربية في دورته ال 33 وكما أثيرت المخاوف وعرضت سلبيات استخدامه على الموسيقى ومستقبل الموسيقيين، طرحت أيضا فوائد عدة تجعله أداة مساعدة في كثير من المجالات ومنها التوثيق والأرشفة.
ناقش المؤتمر العلمي أمس الأحد 19 أكتوبر محور الرؤى التوثيقية منذ مؤتمر 1932 بالقاهرة وتطورها في ظل الثورة الرقمية إذ عرض باحثون عرب وأجانب رؤيتهم حول هذا الموضوع وشارك كل من: الدكتورة جنيفر جولي (أميركا)، الدكتور إيهاب صبري (مصر)، الدكتورة نورة الشلّي (تونس)، محمد سلطان اليوسفي (اليمن)، المايسترو سليم الزغبي (فلسطين)، الدكتورة سهيلة عبد المعطي عثمان (مصر).
قدمت د.نورة الشلّي أستاذ الموسيقى بجامعة صفاقس المعهد العالي للموسيقى بحثها بعنوان "جهود توثيق الموسيقى التونسية وآفاقها في عصر الثورة الرقمية" الذي بدأته بالحديث عن الأرشفة كتاريخ للحضارات ذاتها من بلاد الرافدين إلى مصر القديمة ومن ثم إلى العصر الحديث الذي شهد تطورا كبيرا في هذا المجال.
قالت الشلّي إن تونس بادرت سنة 1874 بتأسيس وحدة تأسيسية تعنى بحفظ الوثائق الإدارية للدولة وتواصل هذا المسار خلال المرحلة الاستعمارية (1881-1956) ثم تعزز بعد الاستقلال إلى أن تم تنظيم الأرشيف الوطني التونسي وفق أمر حكومي. ولم تكن الموسيقى مغيبة عن هذا المسار حيث بدأ توثيق التراث الموسيقي التونسي في التوقيت نفسه واستمر حتى يومنا الحالي، في وجود مؤسسات وجهود عديدة خلال القرنين الماضيين(19،20) في صون التراث التونسي من الضياع مع مرور الزمن ووفاة الشيوخ الحفظة بدأ بالمدرسة الحربية والمخطوطات الثمينة التي تركتها وأهمها مخطوط" غاية أسرو والمنى الجامع لدقائق رقائق الموسيقى والغناء" سنة 1871من طرف 3 ضباط من المدرسة الحربية وشخصية مدنية كعمل موجه إلى المولعين بالموسيقى ويتكون المخطوط من 477 صفحة ويعد وثيقة شاملة تغطي مختلف الجوانب النظرية للموسيقى وأصول وأساسيات تعليمها. بعد المدرسة الحربية جاءت الجمعية الرشيدية عام 1934 التي أعادت صياغة العلاقة بين الماضي والحاضر فقد انطلقت منذ أربعينيات القرن الماضي لجنة حفظ التراث برئاسة الشيخ خميس ترنان في جمع وتدوين نوبات المالوف التونسي وتولى محمد التريكي مهمة التدوين وفق القواعد الغربية. ومع تطور الوسائط انتقل التوثيق من الورق إلى الرقمنة وأصبح أرشيف الرشيدية اليوم يضم أكثر من 300 تسجيل صوتي وصورا تاريخية نادرة وقاعدة بيانات بيوغرافية نادرية توثق سير أكثر من 100 فنان ومؤلف وملحن. أما أهم المؤسسات التوثيقية فهو مركز الموسيقى العربية والمتوسطية –النجمة الزهراء وهو المقر الرئيسي للأرشف الوطني السمعس والسمع بصري وتركزت جهود المركز منذ نشأته عام 1991على تجميع الوثائق المتناثرة بين مؤسسات عدة مثل الإذاعة الوطنية والإذاعات المحلية والجمعية الرشيدية والمعهد العالي للموسيقى والمعهد الوطني للموسيقى وأرشيف المهرجانات الثقافية.
وعن التحديات التي يواجهها المشرفون على المادة الأرشيفية عموما في العصر الرقمي، تقول شلبي إن هذا التحدي يتمثل في إدارة كميات هائلة من المواد الأرشيفية المتنوعة التي تتطلب نسخا دقيقا وتحليلا منهجيا، وسواء تعلق الأمر برقمنة شفوية أو معالجة التسجيلات أكدت شلبي فائدة الاستعانة بالذكاء الاصطناعي الذي يوفر الحيز الزمني والجهد اليدوي في عمليات التفريغ وتحسين جودة البيانات، واقترحت شلبي إنشاء مشروع وطني يُعنى بتوظيف الذكاء الاصطناعي في أرشفة الموسيقى التونسية يتبناه مركز الموسيقى العربية والمتوسطية ويشرف عليه.
الدكتورة سهيلة عبد المعطي عثمان المدرس بقسم الموسيقى العربية كلية التربية الموسيقية جامعة حلون قدمت بحثها عن "ريادة مصر في التوثيق العلمي للموسيقى العربية في القرن العشرين".
يسلط البحث الضوء على مؤتمر الموسيقى العربية بالقاهرة الذي انعقد عام 1932 ولجنة التسجيل وما توصلت إليه من نتائج ووضع تصور رقمي له كوسيلة للحفاظ على هذا السبق العلمي في ظل تسارع الحركة المعلوماتية.
تتبعت د. سهيلة تاريخ التسجيل في مصر بداية من الفونوغراف عام 1904 الذي تراجع بعد ظهور الفيلم الموسيقي وظهور محطات الإذاعة الخاصة التي انتشرت أواخر عشرينيات وأوائل ثلاثينيات القرن العشرين وبلغ ذروته بافتتاح الإذاعة الوطنية المصرية في 31 مايو 1934 ليبدأ عصر ما بعد الفونوغراف.
مؤتمر الموسيقى العربية هو ثمرة نهضة موسيقية حدثت في مصر في النصف الأول من القرن العشرين بدأت في عهد محمد علي باشا فافتتحت خمس مدارس لتعليم الموسيقى: مدرسة الطبول والأصوات، مدرسة الموسيقى في الخانكاه، مدرسة العزف بالنخيلة، مدرسة الآلاتية بمصر، كتب في ذلك العهد محمد شهاب الدين كتابه الذي جمع فيه الموشحات ، ثم أنشأ الخديوي إسماعيل دار الأوبرا، ثم جاء الملك فؤاد الأول واهتم بجمع العلوم والفنون وتم تدريس الموسيقى في المدارس ثم أمر فؤاد بإنشاء معهد الموسيقى الشرقي وافتتح في ديسمبر 1929 وأبدى رغبته في عقد مؤتمر للموسيقى العربية في مصر يشترك فيه علماء الغرب لبحث كل ما يتعلق بالموسيقى العربية، وبالفعل حضر إلى مصر البروفوسير كورت زاكس أستاذ الموسيقى بجامعة برلين والبارون دي إرلنجر مترجم كتاب الموسيقى الكبير للفارابي حيث قضى 20 يوما في مناقشة أعضاء المعهد.
على مدار ثلاثة أسابيع دعي وفود خبراء الموسيقى من إسبانيا والمجر والنمسا وإيطاليا وتركيا وسوريا ولبنان وغيرها إلى جانب محترفي الموسيقى العربية في مصر وباجتماع هذه النخبة المتخصصة تم تسجيل معظم المعلومات الخاصة بالموسيقى العربية بطريقة موثوقة ومنظمة، مما يجعل المؤتمر الحدث الأهم في توثيق الموسيقى العربية وتراثها بل إنه الفريد على مستوى العالم.
تقترح د. سهيلة إحياء المؤتمر وأعماله ونتائجه والكتاب الذي يحوي صورا ووثائق مهمة عن طريق وضعه في صورة رقمية عبر بوابة إلكترونية خاصة بالمؤتمر تتيح الوصول إلى المعلومات والخدمات بسهولة وسرعة تسمح بالتفاعل مع المستخدمين وتقدم أرشيفًا رقميا لوثائق مؤتمر 1932 من محاضر وأعمال ولجان ونتائج أبحاث وتسجيلات صوتية وصور فوتوغرافية ، وتوفر البوابة مكتبة رقمية شاملة الملفات الصوتية والمدونات الموسيقية والكتب اعلمية والأبحاث بما يساعد المتخصصين والباحثين والدارسين في الحصول على معلومات موثوقة.
|