|
القاهرة 16 اكتوبر 2025 الساعة 11:56 ص

بقلم: أحمد محمد صلاح
والغريب ان الغنوسطية قد اتخذت مذهبا فلسفيا مغايرا للمسيحية التي كانت تري أن المسيح هو الله أو ابن الله وقالت أنه بشرا عاديا، حتي أن العديد من فلاسفة الغرب وعلى رأسهم ول ديورنت وبرتراند راسل ذهبوا إلى القول أن النبي محمد أخذ من الغنوسطية هذه الأفكار بالرغم من إيمانه بنبوة عيسي.
وقد ترجع هذه الفلسفة المغايرة إلى ما ورد في الأناجيل على لسان السيد المسيح "يا إلهي، يا إلهي، لماذا تركتني؟" ولا بدَّ من الاعتراف بأن المسيحيين قد وجدوا صعوبة في تفسير هذا النص دائمًا.
اصطبغت المسيحية بالصبغة الهيلينية فاصبحت لاهوتية، وقد يعزي ذلك إلى التطور الذي لحق بالعقيدة اليهودية منذ بدايتها فانعكس بالتالي علي المسيحية، فاليهودية بدأت "بيهوا" الذي تطور في عقيدتهم من إله أحد القبائل إلى إله قادر علي الخلق، وفي تطور العقيدة اليهودية كما يقول راسل لم تكن معقدة مثل المسيحية في تطورها الميتافيزيقي.
ولا أتفق مع برتراند راسل ف طرحه، فالعقيدة اليهودية وكذا المسيحية لم يتطوران بل تم إضافة بعض الأشياء لها، والدليل على ذلك الخلاف الذي وقع بين الكنائس المسيحية حول طبيعة السيد المسيح، مما أدى إلى انعقاد مجمع نيقية عام 325 ميلادية، في محاولة لوضع حد لهذا الخلاف الذي أسفر في النهاية عن المذاهب المسيحية المختلفة، ولا أرجع ذلك لتطور بل إلى خلاف كان لابد من وضع حل له، حتى في العقيدة اليهودية فموسي قد نزل من جبل الطور وهو يحمل الألواح وبها الوصايا العشر والجميع يعرف أن " الله " هو الذي كلمه علي جبل الطور، ولكن الإضافات الكثيرة لليهود، وجدلياتهم المشهورة جعلتهم يركزون حتي في طبيعة المولي عز وجل.
ويبدو أن مجمع نيقية بعد أن وضع طبيعة الإله علي المسيح، أصبح المسيح شخصية لاهوتية بعدما اتحد "بالكلمة"، ومن نافلة القول أن أفلاطون والرواقيين ورد عندهم نفس الطرح أي أن فكره الألوهية لم تكن جديدة، ويقول راسل:
"وكذلك تشتمل رسائل بولس على كثير من اللاهوت، خصوصًا فيما يتعلق بالخلاص، وتدل تلك الرسائل كذلك على إلمام واسع بالثقافة اليونانية؛ فترى بها اقتباسًا من «مناندر»، وإشارة إلى «إبيمنيد» الأقريطى، الذي قال عن الأقريطيين إنَّهم جميعًا كاذبون، وهكذا، ومع ذلك يقول القديس بولس: احذر أن يخدعك إنسان بالفلسفة والغرور الفارغ".
ولابد وأن نذكر في الفلسفة المسيحية أوريجن، الذي عاش في الإسكندرية وتعلم في جامعاتها، وكان مغرما بالأفلاطونية الجديدة، فيقول عنه برتراند راسل:
"يقول «أوريجن» أنْ ليس ثمة شيء روحاني خالص ما عدا الله؛ الأب والابن والروح والقدس. والنجوم كائنات حية عاقلة، نفخ فيها الله أرواحًا كانت موجودة من قبل، وفي رأيه أن الشمس يمكن لها أن تقترف الخطيئة. وأرواح الناس -كما اعتقد أفلاطون- قد جاءت إليهم عند مولدهم من عالم آخر، لأنَّها كانت قائمة منذ أول الخلق. والعقل والروح متميزان عنده كما هما متميزان -على وجه التقريب- عند أفلوطين، فإذا ما هبط العقل أصبح نفسًا، وإذا ما سمَت النفسُ بالفضيلة أصبحت عقلًا. والأرواح كلها في النهاية ستخضع للمسيح خضوعًا تامًّا، وعندئذٍ ستكون أرواحًا بغير أجسام، حتى الشيطان نفسه سيصيبه الخلاص في النهاية".
وبالطبع اتهم أوريجن بالخروج عن الدين بسبب أطروحاته المتمثلة في اعتقادة بوجود الأرواح قبل مولد أصحابها، واعتقاده بان الطبيعة البشرية للمسيح كانت قائمة قبل حلوله في الجسد، وفي اعتقاده بأنَّ أجسادنا عند البعث ستتحول إلى أجساد أثيرية خالصة، وفي اعتقاده بأنَّ الناس جميعًا -بل والشياطين كذلك- سيصيبها الخلاص في نهاية الأمر.
|