|
القاهرة 14 اكتوبر 2025 الساعة 04:14 م

بقلم: عبده الزرَّاع
في بداية عهدي بالقاهرة، كنت أتردد كثيرًا على مؤسسة دار الهلال العريقة، بحكم تعاملي مع عدد كبير من رسّامي الأطفال بالمؤسسة، إذ كانوا يرسمون لمجلة "قطر الندى" التي تصدرها هيئة قصور الثقافة للأطفال، وكنت أعمل بها سكرتيرًا للتحرير.
ارتبطتُ بعلاقاتٍ إنسانية وفنية حميمة مع رساميها الكبار والشباب، ومن هؤلاء الكبار الفنان محمد التهامي – رحمه الله – الذي كان رسامًا بارعًا، شديد الاعتداد بنفسه، مفعمًا بالفخر بما قدّمه من طفرةٍ في رسوم الطفل، خصوصًا في فن "الكوميكس". فقد كان الرسام المصري الوحيد الذي تلقّى خطاب شكر من مؤسسة "والت ديزني" الأمريكية على رسومه في مجلة "ميكي"، عندما كانت تصدر من دار الهلال قبل أن ينتقل ترخيصها إلى دار نهضة مصر.
كما ربطتني علاقة طيبة بالفنان صلاح بيصار، الذي كنت أتردد عليه في مكتبه بمجلة حواء، حيث كان يعمل مشرفًا فنيًّا حتى تقاعده. كان يقابلني بطيبةٍ وشهامةٍ وبساطةِ الريفيّ الذي لم تغيّره المدينة. وقد سعدتُ كثيرًا بتعاوني معه حين رسم لي بابًا ثابتًا في مجلة قطر الندى بعنوان "حكايات شعبية".
وكانت تربطني أيضًا علاقة ودّ ومحبة برسام مجلة سمير، فقد تعاملت مع عددٍ كبير منهم وتعاونوا معنا في "قطر الندى". ورغم هذه الصلات الممتدة، كنتُ أتهيّب لقاء رئيسة تحرير مجلة سمير "ماما لبنى" لتقديم قصائدي للنشر في مجلتها.
وبتشجيع من زملائي الرسامين، طرقت باب مكتبها. دعتني للدخول بابتسامةٍ عذبة، وقدّمت نفسي، فقالت بصوتها الخفيض الحنون: "أنا أتابع ما تكتبه في قطر الندى من قصائد وحكايات".
ثم أبدت إعجابها بما أكتب. أدهشني كيف لهذه السيدة الكبيرة القدر أن تتابع أعمالي وأنا ما زلت في بداياتي الإبداعية!
ناولتُها قصائدي للأطفال التي جئت بها، فتناولت الأوراق وهي تبتسم قائلة: "تنور مجلة سمير يا عبده"، خرجت من المجلة وأنا أحمل انطباعًا جميلًا عن هذه السيدة التي تدير أعرق مجلة للطفل آنذاك، المجلة التي قدّمت أجيالًا من الكتّاب والرسامين، من بينهم: سيد حجاب، وسمير عبد الباقي، ومجدي نجيب، وحلمي التوني، وإيهاب شاكر، وعبد العال، وغيرهم ممن أصبحوا نجومًا في عالم صحافة الطفل، وساهموا في تثقيف أجيالٍ كاملة من القرّاء في وطننا العربي الكبير.
بعد أيامٍ قلائل من لقائي بالسيدة الفاضلة نتيلة راشد، اشتريت مجلة سمير الأسبوعية، لأجد إحدى قصائدي منشورة بها. كانت فرحتي غامرة بنشر أولى قصائدي في سمير! وبعدها توالت قصائدي تباعًا في المجلة، حتى أصبحت من الشعراء الذين تفخر المجلة بنشر أعمالهم، رغم حداثة عهدي بالكتابة للأطفال آنذاك.
في تلك الفترة توطدت علاقتي بصحفيي ورسامي المجلة، وأتذكر منهم: جمال عبد النبي، آمال خطاب، هدى المرشدي، مجدي سعد، محمد عنان، وغيرهم كثير ممن لا تسعفني الذاكرة بذكر أسمائهم الآن.
تعرفتُ عن قرب على ماما لبنى، فوجدتُها سيدة خلوقة، مثقفة، هادئة، واثقة من ذاتها. رأيتُ بعيني كيف كانت تدير المجلة بحبٍّ وحزمٍ في آنٍ واحد. كانت – رحمها الله – ترى في مجلة سمير ابنتها البكر. تقضي الساعات الطوال في مكتبها تُراجع مواد العدد بنفسها كلمةً كلمة، وتضع العناوين، وتعيد قراءة القصص والأشعار، وتُمعن النظر في الرسوم، تدقّق في كل تفصيلة، وتنمّقها كأنها عروس تُزفّ إلى عريسها.
كنت تراها تمرّ بخفّة الفراشة بين مكاتب الصحفيين والرسامين، تتابع أعمالهم وتشجعهم. لم تفارق الابتسامة وجهها، رغم جديّتها وقوة شخصيتها. كانت صارمة مع المقصرين في عملهم، لكنها عادلة ومحبة. لذا أحبّها الجميع واحترموها، ونجحت بفضل إخلاصها في قيادة المجلة لسنوات طويلة، تغلّبت فيها على كثير من الصعوبات حتى صارت من أهم مجلات الأطفال في العالم العربي.
نقلت ماما لبنى المجلة نقلة نوعية في الشكل والمضمون، إذ كانت سمير في بداياتها تعتمد على النصوص والرسوم الأجنبية المترجمة، حتى أن مصمم شعارها كان الرسام الفرنسي برني. لكن نتيلة راشد جعلتها خلال سنوات قليلة مجلة الطفل العربي بحق، حريصةً على تقديم التراث العربي والشعبي بأسلوب جذّاب وراقي، مستكتبة كبار الأدباء والفنانين، حتى أصبحت سمير المجلة الأولى للأطفال في الوطن العربي.
وفي عام 1997، تلقيتُ دعوة منها للمشاركة في دورة "صحافة وثقافة الطفل" التي نظمتها مجلة سمير برعاية مؤسسة هانس زايدل الألمانية، بمعهد الإذاعة والتلفزيون لمدة خمسة أشهر. ضمت الدورة نخبة من كتّاب ورسامي أدب الطفل، من بينهم فريق تحرير قطر الندى: أحمد زوزو، زينب العسال، وعبده الزراع، وكذلك نجلاء علام، صلاح بيصار، عادل البطراوي، مجدي سعد، هدى المرشدي، آمال خطاب، جمال عبد النبي وغيرهم.
وكانت المفاجأة أن الكاتب الكبير عبد التواب يوسف كان أحد المتدربين، وكان أكثرنا مواظبة على الحضور! تعلّمتُ الكثير من هذه الدورة على أيدي أساتذة كبار، منهم: د. محمد أبو الخير، د. مسعد عويس، د. ليلى كرم الدين، وغيرهم من المتخصصين في ثقافة وصحافة الطفل.
ورغم انشغالها برئاسة التحرير، كتبت نتيلة راشد عددًا من القصص المتميزة للأطفال، منها:
حكايات جدتي – قصص تربوية تمزج بين الخيال والواقع.
الكرة الذهبية – قصة رمزية عن الإصرار وتحقيق الحلم.
عصافير الغابة – قصص عن التعاون والطبيعة.
طيور الجنة – قصص عن القيم والجمال والتسامح.
مغامرات سمير وسميرة – سلسلة مغامرات شيقة من صفحات المجلة.
الشاطر حسن يعود من جديد – إعادة صياغة حديثة للتراث الشعبي.
صديقي البحر – قصة بيئية تغرس حبّ الطبيعة.
البيت السعيد – قصص عن الأسرة والتعاون.
أنا والعروسة – حكايات تربوية تشجع على حب التعليم والمعرفة.
كما ترجمت عددًا من كلاسيكيات أدب الطفل من الإنجليزية إلى العربية، منها ملابس الإمبراطور الجديدة، الأمير السعيد، والجمل الأسود.
وكتبت بابًا أسبوعيًا بعنوان "أولادي حبايبي" في مجلة سمير، تناولت فيه مشكلات الأطفال وأحلامهم بلغة حانية ومحببة. وساهمت في تحرير مجلات أخرى مثل العروسة الصغيرة وميكي (في بداياتها)، وكتبت مقالات عن حقوق الطفل وأهمية أدب الطفل في بناء الشخصية.
أسست قسم الأطفال في مؤسسة الأهرام، وكانت عضوة في لجنة ثقافة الطفل بالمجلس الأعلى للثقافة، وحصلت على جائزة الدولة في أدب الأطفال عام 1978، وكرمها المجلس القومي للطفولة والأمومة تقديرًا لعطائها في توعية الأجيال بحقوق الطفل.
وظلت علاقتي بالراحلة النبيلة نتيلة راشد طيبة حتى غيّبها الموت في 26 مايو 2012.
وستظل ذكراها العطرة حاضرة في الوجدان العربي، رمزًا للعطاء والإخلاص والإبداع في ثقافة وصحافة الطفل العربي.
|