|
القاهرة 14 اكتوبر 2025 الساعة 11:26 ص

كتب: جمال الفيشاوي
في إطار فعاليات الدورة الثالثة من مهرجان إيزيس الدولي لمسرح المرأة الذي تنظمه مؤسسة "جارة القمر"، تحت رئاسة المخرجة والممثلة عبير لطفي، ويقام برعاية وزارة الثقافة المصرية، وبالتعاون مع اتحاد المعاهد الثقافية الأوروبية "يونك". وهذه الدورة تحمل اسم سيدة المسرح العربي الفنانة سميحة أيوب، وقد بدأت هذه الفاعليات يوم الخميس 25 سبتمبر 2025م، وتستمر حتى 2 أكتوبر؛ قدم العرض المسرحي "الخروج" من إنتاج الهيئة العامة لقصور الثقافة، تأليف (عدلات أغا أوغلو) ودراما تورج وأشعار (خالد توفيق) ومن إخراج ساندرا سامح.
تدور الفكرة الرئيسية للعرض حول أب (خالد رأفت) وابنته (أميرة راشد) يعيشون في قبو لبيع مبيدات الحشرات والأب يعاني من صدمات نفسية كثيرة مرت به في حياته ويخشى من العالم خارج هذا القبو، ولذا فهو يخشى على ابنته من هذا العالم، فيمنعها من الخروج خارج القبو، ويجعلها سجينة هذا العالم الضيق، لكن البنت تريد الخروج والتعرف على العالم خارج القبو، فتتمرد على والدها وتغادر القبو إلى فضاء الحرية لتكتشف أن المجهول قد يكون أكثر رحمة من سجن الحماية.
ترمز الحشرات في العرض إلى الهواجس النفسية التي تجعل الأب وابنته في حالة من التشتت، فالأب لدي نوع من البخل المادي وبخل المشاعر تجاه ابنته، ويظهر الصراع بينهما حول الخروج، والسؤال هل الخروج من الذات للخارج، أو الخروج من الخارج للذات، فالأب أصيب بصدمة نفسية حيث إن زوجته أم هذه البنت خانته مع شخص آخر وهربت، وتركت له هذه البنت ومعها عروستها، هذه العروسة هي سلوت (كل ما يسلي وينسي الهموم) البنت الوحيدة في الحياة، وقد توحدت البنت معها، حيث لا يهتم بها الأب لدرجة أننا في بداية ظهورها نجدها ترتدي على وجهها قناعا يشبه الكرتونة التي توضع فيها عبوات المبيدات، ويعبر ذلك عن أنها شخص مهمل وتعاني من الاضطرابات، وذلك من كثرة الاضطرابات النفسية للأب والذي نقل هذا الهاجس لابنته، فأصبحت تعيش حياة مليئة بالكوابيس، وفي لحظة معينه في أحد الكوابيس تظهر عروستها على شكل فتاة (آية حسن) توحشت عليها وكأنها تقوم بجلدها، وفي لحظة تنكسر العروسة، فالعروسة هي المعادل الموضوعي للبنت، فكل شيء بالنسبة لها داخل هذا القبو انتهى.
وتبدأ البنت في اتخاذ قرارها للخروج خارج القبو إلى العالم الخارجي، وفي نهاية العرض نجد البنت وقفت أمام باب القبو شبة مجمدة لا تستطيع الحركة لكن الأب هو من يدفعها إلى الخارج، وعند الخروج تبدأ تتلمس الحياة خارج القبو، وتشعر أنه عالم مختلف، ترى فيه النور، وتشم فيه رائحة جميلة، وتشاهد ألوانا مختلفة غير اللون الرمادي فكانت تفتقد كل ذلك، فكانت عند حديثها مع والدها أنها (تريد أن ترى منزلا جدرانه بيضاء، ناصع البياض، به سلام وهدوء)، وعند الخروج تحاول أن تداعب الأطفال، وينتهي العرض، فكل متلقي يفسر رؤيته بما يتناسب مع تجاربه في الحياة. فالخروج عنوان النص يراه المتلقي من منظوره الشخصي، وتجربته في الحياة، فمنهم من يريد الخروج من سجن ذاته التي فرضها على نفسه وتقوقع بداخلها، ويريد الخروج ليتعايش مع العالم الخارجي، والسؤال هل سينجح وتستمر حياته المنفتحة على هذا العالم؟ أم يعود مقهوراً ويتقوقع ويعيش في سجنه الداخلي مرة أخرى
قُدم العرض بطريقة ذات بعد فلسفي يسمح لكل متلقي بتأويله حسب ثقافته وبيئته الاجتماعية، وهل يعتبر المتلقي جزءًا من اللعبة المسرحية؟ عندما يتحدث معه الأب ويسأله من سيأتي بعد ساعة؟ ويرد على نفسه الذي سيأتي بعد ساعة هو الصباح يا أستاذ، وهل باب الخروج هو الفيصل بين الداخل والخارج؟ ام أن المتلقي يعيش معهم بالداخل؟ فأين باب الخروج؟ كلها أسئلة يجيب علنها المتلقي من وجهة نظرة، ومن وجهة نظرنا أقول إن العالم الخارجي والعالم الداخلي وبذكاء شديد لم تفصل بينهما المخرجة، كما أرى أن نص العرض يشير إلى تفكك العلاقات الأسرية، فمن الممكن أن نقول إن معاملة الأب لابنته بهذا الجفاء في أغلب الأحداث لأنه يرى فيها صورة أمها (زوجته)، والبنت تكن الكره لأبيها لأنها تريد أن تخرج لترى العالم الخارجي ووالدها يحبسها داخل هذا القبو، فالتراكمات النفسية الحياتية سواء عند الأباء أو الأبناء هي التي تجعل أحدهما يصدر حكما على الآخر بحالة الكره أو غير ذلك، فنقطة سقوط الأب هو أنه ظن أنه يسطر على البنت ويمنعها من الخروج للعالم الخارجي ظناً منه أنه يقوم بحمايتها، لكن ذلك مستحيل، فكل شيء له نهاية حتي الحكايات فتقول البنت (أنت الذي لا يخلو من الحكايات) فتعني البنت أنها تجلس معه لسماع حكاياته، فيرد الاب (لم يعد لدي ما أحكيه) فقد انتهت حكايات الأب، فقد ربط النص ببقاء الأب والابنة معا بمدى قدرة الأب على إلهاء البنت عن الحياة الحقيقية.
شكلت صالة العرض لتشبه مسرح العلبة الإيطالية، فعندما ندخل صالة العرض نجد أنها قسمت إلى قسمين، وضعت كراسي المتلقي في الجزء الملاصق لباب الدخول، ومنطقة التمثيل في القسم التالي وصولاً إلى ناحية العمق، وقدمت المخرجة العرض في تجربة تنتمي إلى عروض ما بعد الحداثة بتشظي الشخصيات وتقديم صورة درامية واستخدام التقنية الرقمية، فنجد أن الديكور (إسلام جمال) كان عبارة عن مجموعة من البانوهات تحيط يمين ويسار وعمق منطقة التمثيل ومثبت علي تلك البانوهات رف وضع علية مجموعة كبيرة لعبوات مبيد الحشرات، وتوجد بعض كراتين المخزن فيها البضاعة، ويعبر المكان عن مخزن لعبوات المبيدات الحشرية، وفي وسط العمق توجد منضدة مرتفعة ووراءها كرسي يتم الصعود إلية بسلم خشبي نظراً لارتفاعه، ويؤكد ذلك على عدم التواصل بين الأب وابنته، والمنضدة وضع عليها دفتر كبير للحسابات، ولف كلاً من المنضدة والكرسي بشريط مثل الذي يوضع في مناطق الخطر أو العمل وكتب عليه ممنوع الاقتراب، وبالتالي لا تقترب البنت من هذه المنطقة المحظورة، وعلى الرغم من نزول الاب من برجه العالي إلى ابنته ومحاولة التواصل معها باللعب بالعرائس (محمد عزوز) والماسكات (بسنت مصطفى) إلا أنه يحكي أشياء غير مناسبة لسنها، فهو تواصل لا يوجد فيه أي اتصال.
ونجد على مقدمة يمين المتلقي صندوقا خشبيًّا له غطاء بمفصلة مكتوب من الداخل جملة خطر الموت، تدخله البنت، وأحياناً تستخدمه كسرير تنام علية، ويلقي فيه الأب الماسكات التي يرتديها، والعرائس التي يمثل بها، وكأنه يسقط كل همومه داخل مشاعر هذه الفتاة التي أصبحت تعيش في عالم مشوش، ووجد في وسط البانوهات الموجودة على جانبي منطقة التمثيل فتحة كانت تمد منهما أيدي لتسحب البنت إلى المجهول، وتم دهان كل ما سبق من قطع الديكور الذي سبق وصفه باللون الرمادي، ويسقط على البانوهات والصندوق الخشبي مادة فيلمية تعبر عن الهواجس البصرية والسمعية التي يراها الأب، هذه الهواجس غير محددة المعالم تدور في عقله، ويوجد على يسار المتلقي باب الخروج والذي يحدث عنده الصراع على الخروج، ويسقط على الديكور بالفيديو مابنج (مصطفى فجل، وإبراهيم أبو بكر) ليبرز الحالة النفسية للبنت عندما يحبسها الأب داخل الصندوق، فتظهر صورتها على الصندوق من الخارج.
كانت الإضاءة (محمود علاء) تعبر عن المشاعر النفسية التي يمر بها أبطال العرض حيث الانتقال من حالة إلى أخرى، فيظهر اللون الأحمر في حالات الهواجس التي يمر بها الأب وينقلها لابنته، أو في الكابوس الخاص بالبنت، أو عندما تثور البنت على الأب، وعبر اللون الأزرق بدرجاته على حنان الأب عندما يحتضن ابنته، أو الخوف عليها، وكانت اللون الأصفر المعبر عن الشمس فنجد عندما تفتح البنت باب القبو تظهر الإضاءة المعبرة عن الخلط بين العالمين حيث النور القادم من الخارج على ظلمة الداخل، كما برز اللون الأبيض عندما كانت تلعب البنت بالعروس لتعبر عن صفاء ونقاء البنت والطفلة التي بداخلها، وأحياناً يظهر اللون الرمادي في حالة عدم وضوح الرؤى الذي يكون وسط ابين النقاء والهواجس.
كانت موسيقى (أسامة حماد) يسيطر عليها صوت التوتر، غير طبيعية مثل أصوات الحشرات والتي كانت تصاحب الأب في هواجسه.
كل الشكر لكل من شارك في ظهور هذا العرض للنور، والشكر موصول للمشاركين في العرض الذي تم ذكرهم وكذلك مكياج: مي محروس، ملابس وتنفيذ موسيقي ومخرج منفذ كريم مصطفى، مخرج منفذ سيد سيسو.









|