|
القاهرة 02 سبتمبر 2025 الساعة 11:34 ص

قصة: عمر أبو القاسم الككلي
وهي عائدة بقدح حليب الصبوح بين يديها، يتبعها ظلها الطويل مهتزا مع تمايد قامتها الفارعة، يتقافز ذهنها بين المواضيع والانشغالات كما اتفق، أبصرت، حين رفعت رأسها، فرسانا يمتطون خيولا خابَّة يقتربون منها وسرعان ما وقعت عليها الظلال وتوقفوا أمامها. رفست الخيول الأرض وهي تزفر لاهثة. حياها أحد الفرسان الثلاثة:
- صباح الخير.
استشعرت قلقا وترددا يبهظ نبرته ويرعشها. كانت نظراته مرتبكة وملامحه عابسة حذرة.
- صباح الخير.
ردت من خلال هواجسها المثارة.
- أظنك عفراء.
قال الرجل.
- نعم.
قالت. ثم كسرت برهة الصمت المريب:
- تفضلوا بالنزول.
- شكرا. مستعجلون.
قال الرجل الذي يبدو أنه قد أخذ على عاتقه عبء الكلام. ثم أردف:
- والله يا عفراء ما كنا وجوه سوء، وما رغبنا أن نكون غربان بين وأن نعكر صفوك في هذا الصبح العليل، ولكن لا ينبغي التقاعس عن الواجب. ولا يمكن إخفاء المصائب.
قالت في صوت مرتعش:
- ما الأمر؟.
- خبر سيء يا أختاه.
قالت مطمئنة نفسها:
- على الحي تقبل نوائب الزمان.
قال وهو يشد عنان جواده استعدادا للانطلاق:
- عروة يا عفراء، أدركه ما لا بد أنه مدركنا جميعا، عاجلا أو آجلا. تجلدي يا أختاة.
ثم لوى عنان فرسه وهمزها، وفعل رفيقاه مثله ماضين لا يلوون على شيء.
لعلها لم تسمع الرجال يستحثون خيولهم التي شرعت تخب على الأرض اللامبالية، لكن عينيها الذاهلتين الغائمتين كانتا تتلقيان أشباح الخيول والفرسان على ظهرها تهتز مبتعدة، وظل فمها مفغورا ويداها مفتوحتين أمامها، بعد أن وقع منهما القدح وانتشر ما تخلف من الحليب، الذي امتصته الأرض، من بخار متصاعدا من الرغوة الطرية. ووجدت نفسها، فجأة، تنطلق راكضة خلفهم صائحة:
ألا أيها الركب المخبون ويحكم... بحق نعيتم عروة بن حزامِ!!
|