|
القاهرة 26 اغسطس 2025 الساعة 09:47 ص

د. هويدا صالح
في سرديات التاريخ، غالباً ما تلمع أسماء بعينها لتصبح رموزاً خالدة، بينما تغيب في ظلالها أسماء أخرى كانت حجراً أساساً في البناء نفسه. هذا هو حال التأريخ الرسمي للحركة النسوية في مصر، الذي احتفت صفحاته بأسماء لامعة مثل هدى شعراوي، الرائدة الاجتماعية والسياسية، ونبوية موسى، الأكاديمية وصاحبة الصوت التعليمي المدوي، ودرية شفيق، المناضلة السياسية التي حاربت من أجل الحقوق السياسية للمرأة. لقد أصبحن أيقونات تختزل كفاحاً جماعياً طويلاً.
لكن وراء ضوء هذه الأسماء الساطع، عملت عشرات بل مئات الرائدات المجهولات اللواتي شيّدن جنباً إلى جنب دعائم الحركة النسوية والاتحاد النسائي في مصر. نساء كنّ محركات في الخلفية، منظمات، كاتبات، خطيبات، وناشطات في المجال الاجتماعي والتعليمي والصحي، مُهّدن الطريق للنجاحات الكبرى التي نُسبت لاحقاً إلى القيادات الأكثر بروزاً.
يهدف هذا المقال إلى كشف غبار النسيان عن دور واحدة من هؤلاء الرائدات التنويريات، اللواتي مثلن العمود الفقري للحركة دون أن تنصفهن الذاكرة الجماعية. سنتتبع بصماتها الخفية في تشكيل خطاب نسوي بديل من داخل الاتحاد النسائي وخارجه، مسلطين الضوء على الإرث المنسي لحركة نسوية كانت، في جوهرها، جهداً تشاركياً جماعياً يستحق أن يُروى بكامل أبطاله.
وتعد حواء إدريس (1909-1988) واحدة من هؤلاء الرائدات اللواتي تركن أثرًا واضحًا في العمل النسوي والأهلي، وإن طواه النسيان نسبيًا. ولو مؤسسة" المرأة والذاكرة" التي أعادت نشر كتابها" أنا والشرق" ما عرفنا عنها الكثير.
نشأتها وخلفيتها الشخصية:
وُلدت حواء أحمد إدريس عام 1909 في منطقة القوقاز لعائلة شركسية. توفيّ والداها مبكرًا، مما دفعها للانتقال مع شقيقتها إلى مصر حيث عاشت في رعاية ابنة خالتها، هدى شعراوي. تلقت تعليمها في مدارس القاهرة، منها الكلية الأمريكية للبنات، مما منحها ثقافة متنوعة واطلاعًا على اللغات، وهي أدوات استثمرتها لاحقًا في نشاطها النسوي والدولي.
دورها في الاتحاد النسائي المصري:
انضمت حواء إدريس إلى الاتحاد النسائي المصري منذ تأسيسه عام 1923، وبرزت كعضو فاعل ونشيط، رغم صغر سنها في ذلك التوقيت. لم يقتصر دورها على الحضور الرمزي، بل شاركت في تنظيم الندوات والمبادرات الخيرية، وساهمت في ربط قضية المرأة بالكفاح الوطني ضد الاستعمار. وقد وصفها مقرّبون منها بأنها كانت "الجندي المجهول" للحركة النسوية.
تأسيس جمعية "أخوات الاتحاد النسائي":
سعت حواء إدريس إلى توسيع نطاق العمل النسوي، فأسست جمعية "أخوات الاتحاد النسائي المصري" (أو "شقيقات الاتحاد" كما ورد في بعض المصادر). هدفت الجمعية إلى الوصول إلى النساء في الأحياء الشعبية والريف، وتركّز نشاطها على:
- تقديم المساعدات المادية والغذائية.
- تعزيز التعليم ومحو الأمية.
- رعاية المرضى وتوعية النساء صحياً واجتماعيًا.
وهذا يؤكد على وعيها المبكر والحاد بأهمية أن يكون للنساء الرائدات وجودٌ فاعل وحقيقي في المجال العام، يتعدى حدود التمثيل الشكلي والرمزي. فقد أدركت أن قضية المرأة لا تُنتزع بالمظاهر، بل بالتواجد الفعلي والمشاركة الواعية في قلب المجتمع. فكيف للاتحاد النسائي أن يحقق غايته إذا ظلت فئات المجتمع الواسعة، وخاصة في الدوائر المهمشة، غافلة عن حقوقها، غير واعية بضرورة المطالبة بها؟ فالتغيير الحقيقي يبدأ من رفع الوعي قبل كل شيء.
لم تكن حواء مجرد ناشطة في الصالونات الثقافية، بل كانت امرأة عملية، انخرطت في العمل الميداني، من تمريض الجرحى في سوريا أثناء الاحتلال الفرنسي، إلى دعم المقاومة الفلسطينية، والمشاركة في مؤتمرات نسائية دولية وعربية.
دورها على الساحة الدولية:
لم يقتصر نشاط حواء إدريس على مصر، بل امتد إلى المشاركة في مؤتمرات نسائية دولية وعربية، حيث مثلت الاتحاد النسائي المصري ودافعت عن قضايا المرأة العربية. ساعدتها إتقانها للغات وثقافتها الواسعة على بناء جسور بين الحركات النسوية في الشرق والغرب، ودعم القضايا التحررية ضد الاستعمار.
مذكرات "أنا والشرق": بين التوثيق والغموض:
ألّفت حواء إدريس كتابًا بعنوان "أنا والشرق"، وهو عبارة عن مذكرات شخصية تسلط الضوء على تاريخ الحركة النسوية والكفاح الوطني. رغم أن بعض المصادر تشير إلى عدم وجود نسخ موثقة من الكتاب في المكتبات العامة، فإن مصادر أخرى تؤكد أن المذكرات كُتبت في السبعينيات، وأُودعت في مكتبة الجامعة الأمريكية بالقاهرة، ثم نُشرت لاحقًا بواسطة مؤسسة "المرأة والذاكرة".
يتناول الكتاب مسيرة الحركة النسوية ودور الاتحاد النسائي، ويقدّم رؤية نقدية للعلاقة بين الشرق والغرب، داعيةً إلى حوار حضاري متوازن بعيدًا عن الصور النمطية.
صدر كتاب "أنا والشرق: مذكرات حواء إدريس"(2016) عن مؤسسة "المرأة والذاكرة"، ليضيء جانبًا مغيبًا من تاريخ الحركة النسائية المصرية والعربية من خلال سيرة إحدى رائداتها البارزات. ليست هذه المذكرات مجرد سرد ذاتي، بل هي وثيقة تاريخية تروي تفاصيل مرحلة حافلة بالنضال الاجتماعي والسياسي والثقافي الذي قادته النساء في مصر والوطن العربي.
يكشف الكتاب عن دورها في دعم أفكار التحرر سواء تحرر النساء أو التحرر الوطني ومقاومة الاستعمار، وتكشف رحلاتها إلى سوريا ولبنان وفلسطين والأردن والهند لدعم القضايا العربية والإنسانية. كما تكشف مشاركتها في مؤتمرات نسائية دولية دورها في الدفاع عن قضية فلسطين. ولم تكتف بتجسير العلاقات مع رواد التحرر الوطني، بل قدمت شهادات حية عن معاناة الشعوب تحت الاستعمار والنضال من أجل التحرر.
لماذا يجب أن تقرأ "أنا والشرق"؟
1الكتاب يمثل شهادة مباشرة من قلب الأحداث، كتبتها امرأة عايشت التحولات الكبرى في تاريخ مصر والمنطقة.
2. يقدم الكتاب منظورًا نادرًا لتاريخ الحركة الوطنية والنسوية من خلال عيون امرأة كانت في الصفوف الأولى.
3. يظهر الكتاب كيف كانت حواء إدريس نموذجا للتفاني والعطاء دون انتظار مقابل، ما يجعل سيرتها مصدر إلهام.
4.كما تمتاز لغتها بالصراحة والوضوح، وتكشف عن مواقف شجاعة وتحدٍ للسلطات والتقاليد.
"أنا والشرق" ليس كتابًا عن ماضٍ مضى، بل هو مرآة تعكس إرثًا من النضال ما زال حاضرًا في واقع النساء العربيات اليوم. هو دعوة إلى التذكر، إلى استعادة الذاكرة النسائية، وإلى الاعتراف بدور النساء في صناعة التاريخ.
بهذه الروح، يظل كتابها شاهدًا على حقبة، ورسالة إلى الأجيال القادمة.
إرثها وتأثيرها:
توفيت حواء إدريس عام 1988، تاركةً وراءها إرثًا من العمل الدؤوب الذي جمع بين:
- النضال الاجتماعي والنسوي.
- العمل الخيري والتطوعي.
- المشاركة في القضايا الوطنية والدولية.
ورغم عدم شهرتها الواسعة، فإن دورها يبقى جزءًا أصيلاً من تاريخ الحركة النسوية المصرية، التي قامت على جهود جماعية وليس أفرادًا معزولين.
تمثل سيرة حواء إدريس نموذجًا للرائدة التي عملت بصمت وتفانٍ، مساهمةً في بناء أساس متين للحركة النسوية المصرية. وتذكّرنا حكايتها بأهمية استعادة الأصوات المنسية وإعادة قراءة التاريخ بشمولية أكبر، حتى لا تظل جهود الرواد المجهولين طي النسيان.
|