|
القاهرة 19 اغسطس 2025 الساعة 09:07 ص

بقلم: د. هويدا صالح
"كنَّ الجذور الخفية التي شقت صخور الظلم، فأنبتت شجرة الحرية التي نستظل تحتها اليوم". هكذا وصفت نوال السعداوي دور الرائدات النسويات في بدايات القرن العشرين اللاواتي أثبتن أن تحرير المرأة ليس ترفاً بل شرطاً لنهضة الأمة، واليوم نواصل البحث في حياة هؤلاء الرائدات اللاتي وقفن في مسافة بين الظل والنور، بحثا عن طرائق تمكنهن من النهوض، ليس بمشاريعهن النسوية فقط، بل بنهضة الأمة المصرية كلها.
في فجر القرن العشرين المصري، حيث خيم ظل الاحتلال البريطاني على البلاد، وتخلفت حقوق المرأة في زوايا النسيان، برزت إستر أخنوخ فانوس (1895-1990) كقوة جيولوجية غيرت تضاريس النضال الوطني والنسوي. لم تكن مجرد اسم في سجل التاريخ، بل كانت ظاهرة اجتماعية جمعت بين جرأة الثائر وحكمة المصلح، تاركةً بصمات لا تمحى على جدران الحرية المصرية.
-
النشأة: بذور الثورة في تربة الأسرة
-
بيت العلم والوطنية
- وُلدت في 19 فبراير 1895 بمدينة أسيوط، في كنف أسرة قبطية عريقة، ولا يمكن أن ينكر التاريخ ما قام به الأقباط من مساحة من الحرية منحوها لبناتهن في جنوب مصر في زمن كان تعليم الفتيات ترف لا يناله إلا القليل من بنات مصر.
لكن والدها الدكتور أخنوخ فانوس، الطبيب ونائب حزب الوفد بأسيوط، صاحب مكتبة زاخرة بكتب التنوير منح ابنته فرصة القراءة والاطلاع؛ مما منحها وعيا نوعيا، في ذلك الوقت، جعلها ترافق زميلاتها من رائدات الحركة النسوية المصرية والاتحاد النسائي أن يقمن بدور تنويري في حياة المرأة المصرية في ذلك الوقت.
ولم يختلف دور أمها بلسم ويصا عن دور أبيها، فقد كانت الأم داعما رئيسا في حياة ابنتها.
كذلك شكّلت المكتبة العائلية مختبرا حقيقيا لتطور وعيها المبكر، حيث امتزجت أفكار الحرية بحقوق الإنسان
-
الزواج: شراكة في رحلة النضال:
- تزوجت 1913 من فهمي بك ويصا، الوزير والنائب البرلماني
- تحول زواجهما إلى ورشة عمل وطنية، حيث دعمها في كل محطات كفاحها
-
امرأة تكتب التاريخ بدم الثورة:
ولا يمكن أن ننكر تأثير ثورة 1919 على مسارات الوعي والحرية في حياة المجتمع المصري كله، والمرأة المصرية بصفة خاصة. انطلقت شرارة الثورة، وخرجت المرأة المصرية جنب رفيق كفاحها الرجل تطالب بعودة سعد ورفاقه من المنفى بعد أن نفاهم الإنجليز عقابا على دورهم النضالي.
-
رسالة التحدي إلى الرئيس ويلسون:
- في لحظة تاريخية، خطت رسالة جريئة للرئيس الأمريكي:
عندما قرر سعد زغلول السفر الى إنجلترا للمطالبة برفع الانتداب البريطاني على مصر قامت استر وزميلاتها بإرسال خطاب الى الرئيس الأمريكي ويلسون الذى كان ينادى بمبدأ " حق الشعوب تقرير مصيرها" .
قامت استر بجمع توقيعات مئات النساء على الرسالة مبدين اعتراضهن على وضع الاحتلال
"أرسلنا أربعة رجال للمعركة.. وسنرسل أربعمائة ثم أربعة آلاف.. ثم أربعة ملايين لتحريرهم!"
وفي مشهد تاريخي لا يمحى من الذاكرة الجمعية قامت إستر فانوس بـ :
- قادت أول مظاهرة نسائية تزحف نحو شوارع القاهرة
- تحدت الأعراف بالخطابة في "كنيسة القديس مرقس" ثم في جوامع القاهرة.
- انتخبت أمينة للجنة الوفد المركزية النسائية مع هدى شعراوي
-
الاتحاد النسائي المصري: هندسة مستقبل المرأة:
وفي بيانه التأسيسي التاريخي (1923) شاركت إستر في صياغة الوثيقة التأسيسية التي طالبت بـ:
- حق التعليم المتكافئ
- إصلاح قوانين الأحوال الشخصية
- المساواة في الحقوق السياسية والمدنية
آمنت إستر فانوس وزميلاتها من نساء الاتحاد النسائي المصري بأن تحرير المرأة ليس انفصاماً عن النضال الوطني، بل وجسد شعار "التحرر الوطني والنسوي وجهان لعملة واحدة"
-
إنجازات متعددة الأبعاد: من السياسة إلى العمل المجتمعي:
ـ سفينة الخير الاجتماعي:
- أسست إستر فانوس شبكة جمعيات خيرية ركزت على:
- محو أمية المرأة الريفية
- تمكين الأرامل والمهمشات
- رعاية الأطفال الأيتام
دبلوماسية الظل:
- مثلت مصر في مؤتمرات نسائية دولية.
- نقلت معاناة المرأة العربية تحت الاحتلال إلى المحافل العالمية.
عاشت إستر فانوس تسعة عقود حافلة بالعطاء، فقد رحلت في أغسطس 1990 عن 95 عاماً.
- ظلت حتى آخر أيامها "حارسة الذاكرة الوطنية" ومرجعية للحركة النسوية
وبعد كل هذه العقود يمكن أن أقول مرتاحة البال أن لإستر فانوس بصمة لا تغيب، فهي رمز للوحدة الوطنية التي جمعت بين الهوية القبطية والانتماء المصري الجامع. كما يمكن أن نعتبرها جسرا بين الأجيال ، فقد ألهمت جيلاً جديداً من المناضلات مثل درية شفيق وغيرها من الجيل التالي من الرائدات النسويات.
إنها بحق نموذج للمرأة الرائدة المتوازنة التي جمعت بين الأصالة الدينية والرؤية التقدمية
لا شك أنها امرأة سبقت عصرها، فقد عاشت كوكباً مضيئاً في سماء مصر، قدمت درساً خالداً في قضايا ما نزال نناقشها حتى اليوم، فهي آمنت بأن التحرر الحقيقي يبدأ عندما ترفض المرأة أن تكون هامشاً في تاريخ وطنها. بسيرتها التي جمعت بين ثورة 1919 وتأسيس الحركة النسائية، تركت لنا إرثاً يُذكرنا أن العظماء لا يرحلون، بل يتحولون إلى شموس تظل تشع في وجدان الأمة.
|