|
القاهرة 17 اغسطس 2025 الساعة 12:52 م

كتبت: رابعة الختام
في روايته السادسة بعنوان "حتى تأتي نانا" الصادرة مؤخراً عن دار نشر "إشراقة" في 246 صفحة من القطع المتوسط، يطرح الكاتب الروائي الشاب نصر الله الملا رؤية جديدة لمجتمع مأزوم، يحاول فك شفرات الجسد من خلال لقاء بين أربعة أصدقاء ذكور تقابلوا بعد عشرين عاماً عن طريق الصدفة أثناء تناول إثنين منهما القهوة واستعادوا ذكريات سنوات الطفولة والشباب والمراهقة، مستعرضين حيوات مختلفة بين الحب والزواج والخيانات المتكررة، الملل الزوجي ومحاولات التغيير والبعد عن النمطية والإعتياد، فكل الزوجات مهما كن جميلات باهرات مع العشرة والتعود يتحولن إلى واجب ثقيل وحمل على أكتاف تأن.
يستخدم "الملا" إسلوب السرد التداخلي بين أبطال روايته، بأن يحكي كل واحدا منهم قصته بتداخل مع بقية الأبطال، حيث يغلب "الديالوج" أو الحوار على السرد العادي، متجنباً تقنية السارد العليم والحكاء العالم ببواطن الأمور وكل الخفايا.
نصر الله الملا روائي مصري صدرت له أولى أعماله الروائية عام 2012 بعنوان "سربرنيتشا" وتتنوع أعماله بين الخيال في سلسلة خيالية "ممالك السماء" بأجزائها الخمسة، إلى الرومانسية عبر رواية "مخالب اليمامة"، مرورا بالأدب الساخر عبر كتابه الأخير "الفن الثامن"نهابة بروايته "حتى تأتي نانا".
من أجواء وسياق السرد يقول الكاتب:
(الدخول أمر متاح للجميع، أما الخروج فأمر آخر، فكل من أتى بكامل وعيه تحمله أقدامه ويرشده عقله، لم يكن ليسمح له بالخروج من تلك الدائرة الجهنمية إلا بإذنها وفي الوقت المحدد له بالخروج.
تعرف كيف تتعامل مع أهواء النفس البشرية في العموم، وأهواء الرجال في الخصوص.
كم كانت بارعة في ذلك، تسخرهم كالخراف المسيرة في القطيع كما يفعل الراعي في أغنامه، يأتيها أحدهم بهيبة ووقار تنظر في عينيه تقرأ ما فيهم رغم صعوبة الشفرة، تترجمها سريعاً ثم تلجمه بلجام ذهبي، فيصير عبدا في بلاطها).
على خط سردي مواز للخط الذكوري هناك خط آخر لسيدة تدعى جيجي تظهر كسيدة مجتمعات لكنها تدير شبكة للأعمال غير مشروعة وغير شريفة تسخر فتيات يعملن لديها لتقديم متعة محرمة، تلك المرأة تلتقطهن عبر إغراءات الثراء السريع مستغلة حاجتهن للمال نظراً لظروف مادية وإقتصادية شديدة السوء وشديدة القسوة عدة فتيات، أبرزهن نانا أو نعمة تلك الفتاة شديدة الفقر والجمال التي أصبحت بعد موت أبيها مسؤولة عن أسرتها المكونة من أمها المريضة وأختها الصغرى التي تحتاج إلى مصروفات تعليم وتجهيز للجواز، تضطر نانا للعمل مع جيجي للخروج من عنق الزجاجة لكنها تتعرض لعدة مشكلات وإستخدام العنف الجسدي واللفظي، حتى تتعرض للضرب المبرح على أيدي مراهق سادي مختل، وتتوالى الأحداث التي تنتهي بجريمة قتل.
يعنون الفصول بعناوين صريحة لا تقبل المراوغة، عناوين تعبر عن مضامين الكتابة، فتحمل الفصول عناوين (أوقات شديدة الحرج، ليلة ساخنة حتى التفحم، صاحبة الأرداف الضخمة، خيالات عبثية، محرقة الرجال، الفخ، مسحة حنان.. وأمان مفقود، المرأة ذو العدسات الطبية والقلب الحديدي، شمس في ليلة مقمرة، أنثى الطاووس، عضة كلب، الطريق، كسر القوقعة، عالم الحيوان، بائعة الحلوى، حتى تأتي نانا).
اللافت للنظر في رواية نصر الله أنه بالرغم من التعاطف السردي مع "نعمة" أو نانا إلا أنه قدم المرأة في تماذج مريضة أو مشوهة نفسياً أو رخيصة تبيع جسدها بالمال أو بمقابل أيا ما كان هذا المقابل، ولم يقدم نموذج واحد لإمرأة طبيبة أو كاتبة أو حتى ربة منزل متزتة.
يبدو أنها ثيمة لاذعة لنقد المجتمع ومحاكمته من خلال كشف إزدواجية معاييره، وتعاطيه الظالم مع كل مفردات الحياة، ذلك المجتمع الذكوري الذي يعطي للرجال كافة الحقوق ولا يحاسبهم على شيئ هو نفسه المجتمع الذي يحاسب المرأة على الكلمة والنظرة واللفتة.
|