|
القاهرة 12 اغسطس 2025 الساعة 10:17 ص

بقلم: د. هويدا صالح
في صفحات التاريخ، غالبًا ما تتوارى قصص النساء الرائدات خلف ستار من التهميش، خاصة في المجتمعات التي هيمنت عليها الثقافة الذكورية لقرون طويلة. بدايات النهضة المصرية، رغم ما حملته من آمال التحديث والتنوير، كانت لا تزال أسيرة لأطر اجتماعية تضع المرأة في خانة ثانوية، محصورة أدوارها في فضاءات محددة سلفًا. في هذا السياق، لم يكن مجرد الظهور العلني للمرأة بالأمر الهين، فكيف الحال بمن تجرأت على كسر طوق المنع الذكوري، واقتحمت مجالات كانت حكرًا على الرجال، لتضيء دروبًا جديدة للأجيال القادمة؟
إن الحديث عن رائدات مصريات بين الظل والنور ليس مجرد سرد لسير ذاتية، بل هو استعادة لذاكرة مجتمع حاول أن يطمس إسهامات نصفه الآخر. إنه تسليط الضوء على نساء لم يكتفين بالحلم، بل حولنه إلى واقع ملموس، متحديات بذلك الأعراف والتقاليد التي كانت تقف حجر عثرة في طريق طموحاتهن. هؤلاء الرائدات لم يكن مجرد استثناءات عابرة، بل كن شرارات أضاءت فجرًا جديدًا، ممهدات الطريق أمام أجيال من النساء للمطالبة بحقوقهن، والمشاركة الفاعلة في بناء الوطن.
لقد كانت الثقافة الذكورية السائدة تفرض قيودًا صارمة على تعليم المرأة وعملها ومشاركتها في الحياة العامة. كان يُنظر إلى طموح المرأة خارج إطار الأسرة على أنه خروج عن المألوف، بل وتحدٍ لسلطة الرجل. وفي خضم هذه الأجواء، برزت نساء آمنّ بقدراتهن، ورفضن الاستسلام للواقع المفروض. لقد دفعن ثمنًا باهظًا في كثير من الأحيان، من معارضة الأهل والمجتمع، إلى التشكيك في قدراتهن، لكن إصرارهن وعزيمتهن كانتا أقوى من كل تلك التحديات.
في هذه السلسلة، نسعى إلى إخراج هذه القصص من غياهب النسيان، ووضعها في مكانها الصحيح ضمن السردية التاريخية للنهضة المصرية. إن كل رائدة من هؤلاء لم تكن مجرد فرد يحقق إنجازًا شخصيًا، بل كانت تمثل صوتًا جماعيًا لنساء كثيرات حلمن بالتحرر والمساواة. قصصهن هي شهادة على قوة الروح الإنسانية، وقدرتها على التغلب على أعتى الصعاب، وإلهام للأجيال الحالية والمستقبلية بأن الأحلام لا تعرف المستحيل، وأن النور دائمًا ما يشق طريقه حتى من أعمق الظلال.
ولدت لطفية النادي في القاهرة عام 1907، في زمن كانت فيه أحلام الفتيات مقيدة بحدود المنزل والمجتمع. لكن لطفية، منذ نعومة أظفارها، كانت تحمل في قلبها شغفًا مختلفًا، حلمًا بالتحليق في السماء. كان والدها، الذي يعمل في المطبعة الأميرية، يرى أن تعليم الفتيات يجب أن يقتصر على ما يؤهلهن للحياة الأسرية، لكن إصرار لطفية كان أقوى من أي معارضة. التحقت بالتعليم النظامي، وهو أمر لم يكن شائعًا للفتيات في ذلك الوقت، مما يدل على روحها التواقة للمعرفة والتميز.
-
إنجاز تاريخي يغير وجه السماء
في عام 1933، وبعد تدريب مكثف استمر 67 يومًا فقط، حققت لطفية النادي حلمها الكبير. حصلت على رخصة الطيران، لتصبح بذلك أول امرأة مصرية، وأول امرأة عربية، وأول امرأة أفريقية تنال هذا الشرف. لم يكن هذا الإنجاز مجرد رخصة طيران، بل كان إعلانًا عن قدرة المرأة على اقتحام أصعب المجالات، وتحدي كل التوقعات. كان رقم رخصتها 34، مما يشير إلى أنها كانت من أوائل من تخرجوا في هذا المجال، ليس فقط على مستوى مصر بل على مستوى المنطقة بأسرها.
-
رحلات ملهمة وكتابات رائدة
لم تكتفِ لطفية النادي بالحصول على الرخصة، بل انطلقت في رحلات جوية عديدة، لتثبت جدارتها ومهارتها في قيادة الطائرات. من أبرز إنجازاتها قيادتها لطائرة بمفردها بين القاهرة والإسكندرية، لتكون أول امرأة تقوم بهذه الرحلة التاريخية. كانت كل رحلة تقوم بها لطفية بمثابة رسالة قوية للمجتمع، تؤكد أن السماء ليست حكرًا على الرجال. إلى جانب شغفها بالطيران، كانت لطفية كاتبة موهوبة، حيث وثقت تجربتها الفريدة في مقالات نشرتها في الصحف والمجلات، لتلهم الأجيال القادمة وتترك إرثًا فكريًا لا يقل أهمية عن إرثها في مجال الطيران.
عاشت لطفية النادي حياة حافلة بالإنجازات والتحديات، وتوفيت عام 2002 عن عمر يناهز 95 عامًا، بعد أن شهدت كيف تغير العالم بفضل رائدات مثلها. لم تتزوج لطفية قط، وعاشت جزءًا كبيرًا من حياتها في سويسرا حيث منحت الجنسية السويسرية تكريمًا لها. تظل لطفية النادي رمزًا للتحدي والإصرار، ومنارة تضيء درب كل امرأة تطمح إلى تحقيق أحلامها، مهما بدت مستحيلة. قصتها ليست مجرد سيرة ذاتية لطيارة، بل هي قصة إنسانية عن الشجاعة والإيمان بالذات، وعن قدرة الفرد على تغيير مسار التاريخ.
|