|
القاهرة 05 اغسطس 2025 الساعة 10:02 ص

بقلم: د. هويدا صالح
في كل سردية وطنية هناك نساء صنعن الفارق، لكن بقيت أسماؤهن أحيانًا في الظل، أو نُورت لحظات ثم أُهملت في أرشيف التاريخ الرسمي. بين صمت المؤرخين وذاكرة الشارع، تتسلل حكايات نساء قدن التغيير، وناضلن من أجل العدالة، دون أن يطلبن مقابلا سوى أن يُسمع صوتهن.
"رائدات في الظل والنور" ليست مجرد سلسلة عن بطلات من الماضي، بل محاولة لاستعادة الوعي بما قدّمته نساء متميزات من أدوار تنويرية، وفكرية، وسياسية، وجمالية، في مصر القرن العشرين، حين كان التحدي مضاعفًا: أن تكوني امرأة، وأن تكوني صاحبة موقف.
في هذا المقال الثاني من السلسلة، نبدأ مع إحدى أهم الأسماء التي ساهمت في صياغة الحركة النسوية المصرية الحديثة: سيزا النبراوي — صوت المرأة في زمن الصمت، حيث كان صمتُ النساء فضيلةً، وصوتهن جريمة، حيث وقّعت على أولى صفحات النسوية المصرية بحبرٍ من الجرأة والإيمان بالحق. لم تكن فقط صوتًا يعبر عن النساء، بل جسدًا حيًّا لنضال طويل، خاضته بين أروقة الصحف، ومنابر الاتحاد النسائي، وممرات السياسة المسدودة بالأبواب الموصدة.
ولدت سيزا النبراوي في الإسكندرية عام 1897 لأسرة أرستقراطية ذات أصول تركية، وتربت في حضن الامتياز الطبقي، لكن وعيها لم يتوقف عند حدود الامتياز، بل قفز نحو المظلومين، نحو النساء المعزولات خلف الحجاب والخوف. درست في باريس، وهناك تشبّعت بأفكار الحرية والمساواة، وعادت إلى مصر لا لتعيش في برجها العاجي، بل لتخوض معركتها.
-
رفقة هدى شعراوي.. بداية التحول
كانت صداقة سيزا النبراوي بهدى شعراوي أكثر من مجرد صداقة بين امرأتين من الطبقة الراقية؛ كانت تحالفًا فكريًا ونضاليًا أعاد تعريف الحركة النسوية المصرية. شاركت معها في تأسيس الاتحاد النسائي المصري عام 1923، ورافقتها في الموقف الرمزي الجريء بنزع الحجاب أمام محطة قطار رمسيس بعد العودة من مؤتمر نسائي دولي في روما.
هذا المشهد لم يكن مجرد فعل احتجاجي، بل تحطيمًا رمزيًا لمفهوم العزل الأنثوي، ونقطة انعطاف في المخيال الجمعي المصري تجاه صورة المرأة.
تولت سيزا تحرير مجلة "المصرية", لسان حال الاتحاد النسائي، وكانت تكتب مقالات جريئة تهاجم التهميش، وتطالب بالمساواة في التعليم، والعمل، والحقوق السياسية. لم تكن تطالب بـ"إحسان" للمرأة، بل بـ"عدالة". فرّقت بوضوح بين حقوق تُمنح من علٍ، وحقوق تُنتزع بالنضال.
رفضت سيزا الخضوع لسلطة الدولة أو رجال الدين، واصطدمت مرارًا بمفاهيم محافظة كانت ترى صوت المرأة نشازًا، ومطالبتها بالمساواة خروجًا على "الطبيعة".
لم تكن سيزا محلية النظرة، بل مثّلت مصر في العديد من المؤتمرات النسوية الدولية، وكانت من أوائل من ربطوا بين تحرير المرأة والتحرر الوطني. رأت في الاستعمار الذكوري والاحتلال الأجنبي وجهين لعملة واحدة. هذا الربط بين السياسة والجسد، بين الوطن والأنثى، هو ما منح خطابها بعدًا أعمق من مجرد المطالبة بحقوق "مدنية" سطحية.
ربما لم تترك سيزا النبراوي كتبًا كثيرة تحمل اسمها، لكنها تركت أثرًا عميقًا في الذاكرة المؤسِّسة للنسوية المصرية. كانت تُصغي للنساء في صالونات الاتحاد، وتكتب عنهن، وتتبنى قضايا العاملات، والأرامل، والأمهات المُهمّشات. لم تكن نسويتها برجوازية ناعمة، بل وعيًا طبقيًا وثقافيًا بأن تحرير المرأة لا يتم بمعزل عن بنية المجتمع كله.
توفيت سيزا النبراوي عام 1985، لكن سيرتها ما زالت حاضرة في كل حركة نسوية تتحدث بلغة جذرية، وفي كل امرأة تنكسر على بابها فكرة الخضوع. لم تأخذ سيزا مكانها الذي تستحقه في كتب التاريخ الرسمي، لكنها حاضرة في السرديات التي تُكتب من الهامش، من "الظل" حيث ناضلت، ومن "النور" الذي أنارت به طريقًا لأجيال بعدها.
سيزا النبراوي ليست مجرد اسم من الماضي، بل أرشيف حيّ لنضال نسائي عقلاني، واثق، متّقد. هي من ذلك الطراز من النساء اللواتي لا يبحثن عن الشهرة، بل عن التغيير. وبين الظل والنور، اختارت أن تكون جسدًا يمشي بين العتمة ويترك أثرًا من ضوء.
|