|
القاهرة 29 يوليو 2025 الساعة 10:41 ص

بقلم: د. هويدا صالح
-
نبوية موسى: الرائدة النسوية الملهمة في مصر الحديثة:
في مطالع القرن العشرين، حين كانت المرأة في أغلب بقاع العالم العربي حبيسة الجدران، غائبة عن الفضاء العام، ومقصاة عن دوائر القرار والتفكير، بزغت في مصر أصوات نسائية سبقت زمنها، ومهّدت لوعي جديد بالذات النسوية، لا باعتبارها تابعًا، بل فاعلًا ومبادرًا ومغيرًا.
في زمن كانت فيه مفاهيم "النسوية" لا تزال غريبة حتى على معاجم النخبة، خرجت نساء مصريات ليكتبن – بالفعل والقلم – سردية مختلفة، قاومن فيها التهميش، وخضن معارك في ساحات التعليم، والعمل، والفكر، والفن، والسياسة، وسط مجتمعات محافظة كانت ترى في خروج المرأة من عتبة البيت خروجًا على الشرف والعقيدة.
"رائدات في الظل والنور" ليست سلسلة عن نساء عابرات، بل عن رائدات رسمن خرائط حضورهن في مجتمع لم يكن يرى في المرأة أكثر من تابع اجتماعي أو زينة ثقافية. إنها محاولة لإعادة الاعتبار لأولئك اللواتي سبقن زمانهن، فمهّدن الطريق لأجيالٍ لم يعرف معظمها أن هذا الطريق كان مفروشًا بتضحيات نساءٍ حفرن أسماءهن في الجدار بصمت، ووقفن في مفترق التاريخ بين الظل والنور.
وفي مفتتح هذه السلسلة، نبدأ بنموذج فريد: "نبوية موسى"، أول امرأة مصرية تنتزع حقها في التعليم، وتكتب سيرتها الذاتية، وتدافع عن حق الفتاة في أن تتعلم وتعمل وتفكر، لا بوصفها استثناءً، بل باعتبارها مواطنة كاملة، وشريكة في بناء الأمة.
في مطلع القرن العشرين، كانت مصر تعيش مخاضًا حضاريًا وثقافيًا عميقًا، بين إرث الاحتلال البريطاني، وبدايات مشروع التحديث الذي حمله مفكرون مثل محمد عبده وقاسم أمين. وفي هذا السياق، بزغت أسماء نسائية واجهت القيود الاجتماعية والمؤسسية التي أحاطت بالمرأة، وفي طليعة هؤلاء كانت نبوية موسى، المعلمة والمفكرة والمناضلة، التي جعلت من التعليم أداة للتحرر، ومن القلم سلاحًا في معركة التنوير.
-
أول الطريق: الميلاد والبداية الصعبة:
ولدت نبوية موسى في 17 ديسمبر 1886 بمحافظة دمياط لأسرة تنتمي إلى الطبقة المتوسطة. توفي والدها وهي طفلة صغيرة، فانتقلت الأسرة إلى القاهرة. منذ الصغر، أبدت نبوية شغفًا بالعلم، ولكن العقبات بدأت مبكرًا: رفض شقيقها الأكبر أن تواصل تعليمها، خوفًا من "الفضيحة الاجتماعية"، مما اضطرها للالتحاق بالمدرسة خلسة، في تحدٍّ مبكر للسلطة الأبوية ومفهوم الشرف المرتبط بجسد الأنثى.
حصلت نبوية على شهادة المعلمات عام 1907، وكانت أول فتاة مصرية تحصل عليها، ما مثّل سابقة جديدة على المجتمع المصري، ليس فقط في التحدي الفردي بل في خلخلة النظام الاجتماعي الأبوي الذي كان يرى في تعليم المرأة خطرًا على "التقاليد".
-
معركة التعليم: المدرسة كجبهة نضال:
آمنت نبوية موسى أن التعليم هو الطريق الأساسي لتحرير المرأة من الجهل والتبعية. شغلت مناصب تربوية رفيعة في مدارس الفتيات، وأصبحت ناظرة، ثم مفتشة، ثم وكيلة للتعليم في وزارة المعارف، وكانت بذلك أول امرأة تشغل هذه المواقع في الدولة المصرية.
لكن معارك نبوية لم تكن داخل المدرسة فحسب، بل كانت مع الإدارة الذكورية في وزارة المعارف، التي قاومت ترقياتها وقللت من شأن مشروعها. ولم تتردد نبوية في فضح التحيز الذكوري داخل المؤسسات، عبر مقالاتها ومحاضراتها، التي كانت تحظى بحضور واسع في المجتمع المدني.
-
المرأة والكتابة: قلم في مواجهة السلطة الأبوية:
كتبت نبوية موسى في الصحف المصرية الكبرى، مثل "البلاغ" و"الأهالي"، كما شاركت في تحرير مجلة "الفتاة" عام 1931، التي كانت منبرًا نسويًا رائدًا. في كتابها الأشهر "المرأة والعمل" (1920)، دافعت عن حق المرأة في العمل والتعليم والمشاركة السياسية، ورفضت الفصل الجندري القائم على فكرة "الاختلاف البيولوجي"، معتبرة أن الفرق بين الرجل والمرأة هو نتيجة للحرمان التربوي والثقافي.
في كتابها الآخر "تاريخي بقلمي" (1947)، قدّمت أول سيرة ذاتية نسائية عربية بقلم صاحبتها، لتكون بذلك صوتًا شخصيًا ينخرط في السرد العام، ويقلب ميزان "التاريخ الذكوري"؛ لأنها حكت تجربتها كأنها جزء من تاريخ بلدها.
-
نبوية موسى والنسوية المصرية: موقعها من الحركة:
رغم أن نبوية موسى كانت معاصرة لهدى شعراوي وصفية زغلول، إلا أن علاقتها بهن لم تكن دائمًا ودية. فقد انتقدت نبوية الطابع الأرستقراطي لحركة هدى شعراوي، واعتبرتها مقطوعة الصلة بالطبقات الشعبية، وركّزت هي بدورها على التعليم والعمل كأداتين للتحرر الطبقي والنوعي.
مثّلت نبوية بذلك تيارًا نسويًا مختلفًا، أقرب إلى "النسوية الشعبية" أو "نسوية البسطاء"، لا تعتمد على الصالونات ولا على مظاهر النخبة، بل تخوض معاركها داخل الفصول والمجلات والصحف، ومع النساء العاملات، والبنات الصغيرات الباحثات عن معلمة تؤمن بقدراتهن.
-
إرث نبوية موسى: من التجربة إلى الرمزية:
لم يكن مشروع نبوية موسى مشروعًا نخبويًا بل كان فعلًا تربويًا-ثقافيًا-نسويًا متكاملًا. عملت على تعريب المناهج، وتطوير طرق التدريس، والدفاع عن التعليم المجاني للفتيات، ورفعت شعار "علموا البنات كما تعلمون الأولاد" في وقت كان فيه هذا الطرح يُعدُّ خروجًا على النظام الأخلاقي السائد.
في حياتها، لم تحصل نبوية على التقدير الذي تستحقه، بل تعرّضت لحملات تشويه من الصحف المحافظة، واتُّهمت بالتغريب والفجور، فقط لأنها طالبت بالمساواة. لكنها اليوم تُقرأ بوصفها واحدة من مؤسسات الحركة النسوية في مصر الحديثة، ومن رائدات التربية النقدية في العالم العربي.
-
ذاكرة الطليعة والدرس المستعاد:
رحلت نبوية موسى عام 1951، قبل أن ترى ثمار بعض نضالاتها، لكن إرثها لا يزال قائمًا في كل مدرسة للفتيات، وفي كل مقال تكتبه امرأة عربية اليوم عن حقوقها. إن تجربة نبوية موسى تذكرنا بأن التحرر لا يُمنح بل يُنتزع، وأن معارك التعليم والكلمة هي جبهات حقيقية لتفكيك السلطة الأبوية.
وفي عالم عربي لا تزال فيه النساء يقاومن محو الذات والتهميش، تبدو سيرة نبوية موسى درسًا مزدوجًا في الإصرار والنقد، وفي الحفر داخل الجدار لا فوقه.
1. نبوية موسى، "المرأة والعمل" ط. القاهرة، 1920.
2. نبوية موسى، "تاريخي بقلمي"، ط. القاهرة، 1947.
3. عبد الغفار مكاوي، *النهضة النسائية في مصر: قراءة في فكر نبوية موسى، الهيئة العامة للكتاب، 2003.
4. منى حلمي، "رائدات الحركة النسوية في مصر"، مركز دراسات المرأة، 1998.
|