|
القاهرة 24 يوليو 2025 الساعة 02:06 م

كتبت: د. إنجي عبدالمنعم
في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة وتزداد تعقيداتها، تُلقي العزلة القسرية بظلالها على الأرواح، لتُصبح منبعًا لإبداعات فنية عميقة. من هنا، يبرز العرض المسرحي "حكايات الشتا" للمخرج محمد عشري، الذي قدم على خشبة مسرح الغد، من الإنتاج البيت الفني للمسرح، ضمن فعاليات الدورة الثامنة عشرة من المهرجان القومي للمسرح المصري، مقدمًا تجربة فنية آسرة تلامس القلوب وتدفعنا للتساؤل عن جوهر الوجود الإنساني في عصر التباعد.
• "حكايات الشتا".. عزلة مُتوهَمة ورقصة حياة
يتناول العرض فكرة العزلة القسرية، حيث نرى شخصيات تُتوهم الحكايات والأمان في عالمها الخاص، مُتحركة كظلال إنسانية تُصارع انفعالاتها وهمومها. يمزج محمد عشري في هذه التجربة المسرحية بين الشعر الرقراق، والغناء الشجي، واللحن العذب، والرقص المعبر، ليخلق نسيجًا فنيًا متكاملًا يُجسد صراعات الشخصيات الداخلية. هذا المزيج الفني لا يُقدم عرضًا بصريًا وسمعيًا فحسب، بل يُشكل مرآة تعكس أبعاد العزلة وتأثيرها على الإنسان، مُظهرًا كيف يمكن للخيال أن يُصبح ملاذًا آمنًا في وجه الواقع القاسي.
• أسئلة تُثيرها "حكايات الشتا"
يتركنا "حكايات الشتا" مع العديد من التساؤلات الفنية والفلسفية. كيف تُقدم الشخصيات "توهمها" للحكايات؟ وما هي طبيعة "الأمان" الذي تبحث عنه في عزلتها؟ وكيف يتجلى "الظل الإنساني" على خشبة المسرح؟ وهل ينجح محمد عشري في إيصال رسالة العرض حول العزلة غير الاختيارية إلى الجمهور بوضوح وعمق؟ إن التناغم بين عناصر العرض من شعر وغناء ولحن ورقص يُعد تحديًا إخراجيًا كبيرًا، فهل استطاع "عشري" أن يخلق تجربة متماسكة تُلامس الوجدان وتُثير الفكر في آن واحد؟
يقدم العرض المسرحي "حكايات الشتا" رؤية فنية تستكشف ثيمة العزلة غير الاختيارية، ولا شك أن عنصري الديكور والإضاءة يلعبان دورًا محوريًا في تجسيد هذه الفكرة وخلق الأجواء المناسبة لها. من مشاهدة العرض، يمكننا تلمس بعض الخيوط التي تشكل هذا النسيج البصري للعرض.
• الديكور.. بين حميمية المكان ووحدة الذات
يبدو أن تصميم الديكور يميل إلى البساطة النسبية مع التركيز على خلق فضاء حميمي ومحدد للشخصيات. نرى ما يشبه غرفة معيشة تقليدية بعناصر مألوفة مثل الأرائك والكراسي، وربما بعض اللوحات أو العناصر الزخرفية البسيطة. هذه الحميمية الظاهرية قد تكون بمثابة قناع يخفي وراءه الشعور بالوحدة والانفصال الذي تعيشه الشخصيات.
في بعض الكادرات يقتصر المشهد على شخصية واحدة في زاوية محددة من الفضاء، مما يعزز الإحساس بالانزواء والعزلة الفردية. استخدام قطع أثاث قليلة ومتباعدة قد يساهم أيضًا في خلق شعور بالفراغ وعدم الاتصال بين الشخصيات حتى عندما تتواجد في نفس المكان.
كما يمكن ملاحظة استخدام مستويات مختلفة في الديكور، مما قد يشير إلى حالات نفسية أو ديناميكيات مختلفة بين الشخصيات. الباب المفتوح جزئيًا يمكن أن يرمز إلى إمكانية الخروج من العزلة أو التردد في القيام بذلك.
• الإضاءة.. لغة الظلال والانفعالات الداخلية
تلعب الإضاءة في "حكايات الشتا" دورًا حيويًا في تلوين الأجواء وكشف الانفعالات الداخلية للشخصيات. يمكن ملاحظة استخدام إضاءة ناعمة ومنتشرة في بعض المشاهد، مما يخلق جوًا حالمًا أو ضبابيًا قد يعكس حالة الضياع أو التوهم التي تعيشها الشخصيات بحثًا عن الأمان.
في المقابل، قد يتم استخدام إضاءة أكثر تركيزًا لتسليط الضوء على شخصية معينة في لحظة معينة، مما يعزلها بصريًا عن باقي الفضاء ويؤكد على وحدتها أو حالتها النفسية الخاصة. تلاعب الظلال الناتج عن الإضاءة يمكن أن يضيف بعدًا دراميًا وعمقًا بصريًا للمُشاهد، وقد يرمز إلى الجوانب الخفية أو المضطربة في نفوس الشخصيات.
الألوان الهادئة والخافتة للإضاءة في معظم المشاهد تعكس حالة من الركود أو البرود العاطفي التي قد تصاحب الشعور بالعزلة. استخدام تباينات طفيفة في الإضاءة بين أجزاء المسرح المختلفة قد يساعد في فصل المساحات وتوجيه بصر الجمهور نحو النقاط الأكثر أهمية في السرد البصري.
• التكامل بين الديكور والإضاءة في تجسيد العزلة
يبدو أن هناك تكاملًا وظيفيًا بين تصميم الديكور والإضاءة في "حكايات الشتا". فالديكور يوفر الإطار المكاني الذي تتحرك فيه الشخصيات، بينما تأتي الإضاءة لتضفي على هذا الفضاء الحالة المزاجية والعاطفية المطلوبة لخدمة فكرة العزلة. البساطة النسبية في الديكور تسمح للإضاءة بأن تكون عنصرًا أكثر تأثيرًا في خلق الأجواء، حيث يمكن لتغير بسيط في شدة أو لون الإضاءة أن يُحدث تحولًا كبيرًا في إحساس المشهد.
العرض المسرحي "حكايات الشتا" كتابة وأشعار: إبراهيم الحسيني، بطولة: هبة سامي، عبير الطوخي، مايا عصام، مصطفى سليمان، تامر بدران، فرح داوود، موسيقى وألحان: رجب الشاذلى، غناء: ياسمين رجب، ورجب الشاذلي، ديكور: أحمد الألفي، أزياء: نورهان سمير، تنفيذ ديكور: مي زهدي، توزيع موسيقى: يحيى عز، مساعد مخرج: طارق صلاح، مخرج منفذ: عليا عبدالخالق، إخراج محمد عشري.
يذكر أن الدورة الثامنة عشرة من المهرجان القومي للمسرح المصري تنعقد رسميًا في الفترة من 20 يوليو حتى 6 أغسطس 2025، برعاية وزارة الثقافة المصرية، وبمشاركة واسعة من الفرق المسرحية الرسمية والمستقلة والجامعية والهاوية، بالإضافة إلى عدد من عروض القطاع الخاص، تحت إشراف قطاعات الوزارة المختلفة، ومنها البيت الفني للمسرح، الهيئة العامة لقصور الثقافة، وصندوق التنمية الثقافية.







|