|
القاهرة 22 يوليو 2025 الساعة 09:31 ص

قصة: رحاب الخالدي ـ الرياض
كانت "سارة" تعيش في مدينةٍ سعودية عريقة، حيث تتشابك خيوط التقاليد العميقة لتنسج نسيجًا اجتماعيًا يبدو من الخارج متماسكًا، لكنه غالبًا ما يخنق الأحلام الفردية. كانت "سارة" فنانة بالفطرة، تجد عزاءها في لمس الألوان وتحويل الأفكار إلى لوحات نابضة بالحياة. لكن شغفها بالفن كان يصطدم دائمًا بجدرانٍ سميكة من الأفكار الذكورية التي تفرض قيودًا على المرأة، وتنظر إلى الفن، خاصةً ذلك الذي يتجاوز المألوف، ب مرفوعة وشكٍ مبطن.
كانت "سارة" ترسم في خفية، لوحاتها حبيسة جدران غرفتها، وشغفها ينمو مع كل ضربة فرشاة. كانت تحلم بالمعارض الفنية العالمية، بالمتاحف الكبرى التي تضم أعمال عمالقة الفن، وبأن تكون جزءًا من هذا العالم الواسع. كانت أمريكا بالنسبة لها، ليست مجرد قارة، بل رمزًا للحرية والإبداع اللامحدود. كانت تحلم باليوم الذي تدرس فيه الفن في أكاديمياتها العريقة، وتتجول في شوارع نيويورك المليئة بالغاليريهات الفنية.
بدأت "سارة" تخطط سراً لمستقبلها. بحثت عن المنح الدراسية، وتواصلت مع جامعات الفنون في الخارج، وقضت الليالي الطويلة وهي تعد ملف أعمالها الفنية. كانت تشعر بأنها تقترب من تحقيق حلمها، وأنها على وشك كسر القيد الذي يلتف حولها.
لكن أحلام "سارة" اصطدمت بصخرة الواقع المتمثلة في إخوتها الذكور. كانت نظرتهم للحرية مختلفة، وللفن مجرد "هواية" لا تليق بامرأة سعودية من عائلة محافظة. عندما اكتشفوا خططها للسفر والدراسة في أمريكا، ثارت ثائرتهم.
"كيف تفكرين في السفر وحدكِ إلى بلدٍ غريب؟" قال أخوها الأكبر "فهد" بنبرةٍ حادة، تعكس غضبًا ممزوجًا بالخوف على سمعة العائلة. "هذا مستحيل، ولن نسمح لكِ بذلك أبدًا."
أما أخوها الثاني "ماجد"، فكان أكثر حدة: "الفن؟ وماذا عن زواجكِ وتكوين عائلة؟ هذا هو مصيركِ، وليس هذه الأوهام التي تجرين وراءها."
شعرت "سارة" بأن كل آمالها تتحطم أمام عينيها. كانت كلمات إخوتها كالسياط، تنهال على روحها. حاولوا إقناعها، ثم هددوها، وفي النهاية، فرضوا عليها رقابة صارمة، خوفًا من أن تتخذ أي خطوة دون علمهم. حُبست ريشة "سارة"، وذبلت ألوانها، وعادت الجدران القديمة تلتف حولها، أكثر قوةً وصعوبة.
مرت الأيام ثقيلة على "سارة". كانت تشعر بأنها محطمة، وأن حلمها الذي طالما تغذت عليه روحها قد مات. عادت ترسم في خفية، لكن هذه المرة، كانت لوحاتها تحمل حزنًا عميقًا، وألوانًا باهتة تعكس يأسها. كان الصراع بين رغبتها في التحرر وبين ضغوط مجتمعها ينهش روحها، ويتركها في حيرةٍ وقلق.
لكن شيئًا ما لم ينطفئ تمامًا داخل "سارة". كانت لا تزال ترى وميض الأمل، وإن كان خافتًا. بدأت تفكر بطرقٍ أخرى. إذا لم تستطع الذهاب إلى أمريكا، فربما تستطيع أن تجلب أمريكا إليها، أو على الأقل، أن تجلب شيئًا من حرية التعبير الفني إلى مجتمعها، وإن كان ذلك ببطء وتدرج.
في النهاية، لم تسافر "سارة" إلى أمريكا. لكنها لم تستسلم. بدأت تبحث عن معارض فنية محلية، عن ورش عمل فنية تقام في مدينتها، وعن طرق لعرض أعمالها عبر الإنترنت. بدأت ترسم بحرية أكبر، وتضيف لمسات من الجرأة إلى لوحاتها، مع كل ضربة فرشاة، كانت "سارة" تحاول كسر قيودها الداخلية، وتلوين حياتها بألوان الحرية التي لطالما حلمت بها. كانت تعرف أن الطريق طويل، وأن التحديات لا تزال قائمة، لكنها أدركت أن الشجاعة لا تكمن فقط في كسر القيود الخارجية، بل في التمرد على القيود الداخلية أيضًا.
|