|
القاهرة 15 يوليو 2025 الساعة 09:16 ص

بقلم: د. هويدا صالح
الأخلاقيات الحيوية هي تخصص يركز على العلاقة بين الكائنات الحية. تُبرز الأخلاقيات الحيوية الخير والحق في المحيطات الحيوية، ويمكن تصنيفها إلى ثلاثة مجالات على الأقل: الأخلاقيات الحيوية في البيئات الصحية، وهي العلاقة بين الأطباء والمرضى، والأخلاقيات الحيوية في البيئات الاجتماعية، وهي العلاقة بين البشر، والأخلاقيات الحيوية في البيئات البيئية، وهي العلاقة بين الإنسان والطبيعة، بما في ذلك أخلاقيات الحيوان، وأخلاقيات الأرض، والأخلاقيات البيئية، وغيرها. جميعها تُعنى بالعلاقات داخل الكائنات الطبيعية وفيما بينها.
مع ظهور الذكاء الاصطناعي، يواجه الإنسان تحديًا جديدًا يتمثل في بناء علاقة مع شيء غير طبيعي في حد ذاته. عادةً ما تناقش الأخلاقيات الحيوية العلاقة داخل الوجود الطبيعي، سواءً الوجود البشري أو البيئي، والتي تُعدّ جزءًا من الظواهر الطبيعية. لكن الآن، على البشر التعامل مع شيء من صنع الإنسان، اصطناعي وغير طبيعي، ألا وهو الذكاء الاصطناعي. لقد ابتكر الإنسان أشياءً كثيرة، لكنه لم يُضطر قط إلى التفكير في كيفية التعامل أخلاقيًا مع ما صنعه. الذكاء الاصطناعي في حد ذاته يفتقر إلى الشعور والشخصية. وقد أدرك مهندسو الذكاء الاصطناعي أهمية منحه القدرة على التمييز لتجنب أي أنشطة منحرفة تُسبب ضررًا غير مقصود. من هذا المنظور، نُدرك أن الذكاء الاصطناعي قد يكون له تأثير سلبي على البشر والمجتمع؛ وبالتالي، تُصبح الأخلاقيات الحيوية للذكاء الاصطناعي مهمة لضمان عدم انطلاقه تلقائيًا بالانحراف عن هدفه الأصلي المُحدد.
حذّر ستيفن هوكينج في أوائل عام 2014 من أن تطوير الذكاء الاصطناعي الكامل قد يُنذر بنهاية الجنس البشري. قال إنه بمجرد أن يطور البشر الذكاء الاصطناعي، فقد ينطلق من تلقاء نفسه ويعيد تصميم نفسه بمعدل متزايد باستمرار، فالبشر، المقيدون بالتطور البيولوجي البطيء، لا يستطيعون المنافسة، وسيُتفوق عليهم. في كتابه "الذكاء الخارق"، يُقدم نيك بوستروم حجة مفادها أن الذكاء الاصطناعي سيشكل تهديدًا للبشرية. ويجادل بأن الذكاء الاصطناعي الذي يتمتع بذكاء كافٍ يمكنه إظهار سلوكيات متقاربة، مثل اكتساب الموارد أو حماية نفسه من الانقراض، وقد يضر بالبشرية
السؤال هو: هل علينا أن نفكر في الأخلاقيات الحيوية للمنتج الذي صنعه الإنسان بنفسه والذي يفتقر إلى الحيوية؟ هل يمكن للآلة أن تمتلك عقلًا ووعيًا وحالة ذهنية تمامًا كما يمتلكها البشر؟ هل يمكن للآلة أن تكون واعية وتستحق بالتالي حقوقًا معينة؟ هل يمكن للآلة أن تُسبب ضررًا عمدًا؟ يجب النظر إلى اللوائح التنظيمية على أنها واجب أخلاقي حيوي لإنتاج الذكاء الاصطناعي.
أظهرت الدراسات أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يعكس التحيزات ذاتها التي حاول البشر التغلب عليها. ومع انتشار الذكاء الاصطناعي "في كل مكان"، فإنه يتمتع بإمكانات هائلة للتأثير إيجابًا على جميع مناحي الحياة، من الصناعة إلى التوظيف إلى الرعاية الصحية وحتى الأمن.
لقد غيّر الذكاء الاصطناعي، ليس فقط طريقة عملنا وكيفية تعاملنا مع الآخرين، ولكن أيضًا ما نعرفه عن أنفسنا. فله تأثير هائل على كيفية عملنا ونظرتنا إلى الأشياء وكذلك الطرق التي نتعامل بها مع بعضنا البعض.
ويُمكن التمييز بين نوعين مختلفين منه. الأول هو الذكاء الاصطناعي الضعيف، والمعروف أيضًا بالذكاء الاصطناعي الضيق، المُصمم لأداء مهام محددة، مثل التعرف على الوجوه البحث على الإنترنت أو السيارات ذاتية القيادة. من المُرجح أن العديد من الأنظمة الحالية التي تدّعي استخدام "الذكاء الاصطناعي" تعمل كذكاء اصطناعي ضعيف يُركز على وظيفة مُحددة بدقة. على الرغم من أن هذا الذكاء الاصطناعي الضعيف يبدو مفيدًا للحياة البشرية، إلا أن البعض لا يزال يعتقد أنه قد يكون خطيرًا، لأنه قد يُسبب اضطرابات في الشبكة الكهربائية أو قد يُلحق الضرر بمحطات الطاقة النووية عند تعطلها.
يتمثل التطور الجديد، وهو الهدف طويل المدى للعديد من الباحثين، في إنشاء ذكاء اصطناعي قوي أو ما يسمى بـ AGI حيث تمتلك الآلة القدرة على فهم أو تعلم أي مهمة ذكية يُمكن للإنسان القيام بها، مما يُساعد الإنسان على حل المُشكلة التي يواجهه، حيث يمكن أن يتفوق على البشر في جميع المهام المعرفية تقريبًا.
الذكاء الاصطناعي القوي هو تصور مختلف للذكاء الاصطناعي حيث يمكن برمجته ليكون عقلًا بشريًا بالفعل، ليكون ذكيًا في كل ما يُؤمر بمحاولة القيام به، حتى أن يكون لديه إدراك ومعتقدات وقدرات معرفية أخرى تُنسب عادةً إلى البشر فقط.
هل يحتاج البشر حقًا إلى الذكاء الاصطناعي؟
هل الذكاء الاصطناعي ضروري حقًا في المجتمع البشري؟ الأمر يعتمد على عدة عوامل. إذا اختار الإنسان طريقة أسرع وأكثر فعالية لإنجاز عمله والعمل باستمرار دون انقطاع، فالإجابة نعم. أما إذا رضي الإنسان بأسلوب حياة طبيعي دون رغبات مفرطة في السيطرة على نظام الطبيعة، فهو ليس كذلك. يخبرنا التاريخ أن الإنسان يبحث دائمًا عن شيء أسرع وأسهل وأكثر فعالية وملاءمة لإنجاز المهمة التي يعمل عليها؛ ولذلك، فإن السعي وراء المزيد من التطور يحفزه على البحث عن طرق جديدة وأفضل لإنجاز الأمور. اكتشف الإنسان، كإنسان عاقل، أن الأدوات يمكن أن تُخفف الكثير من مشاق الحياة اليومية، ومن خلال الأدوات التي اخترعها، تمكن الإنسان من إنجاز العمل بشكل أفضل وأسرع وأذكى وأكثر فعالية. أصبح اختراع أشياء جديدة حافزًا للتقدم البشري. نتمتع اليوم بحياة أسهل وأكثر راحة بفضل التكنولوجيا.
لقد استخدم المجتمع البشري الأدوات منذ فجر الحضارة، ويعتمد التقدم البشري عليها. لم يضطر البشر في القرن الحادي والعشرين إلى العمل بجد كأسلافهم في العصور السابقة، لأن لديهم آلات جديدة تعمل لصالحهم. كل شيء جيد، وينبغي أن يكون على ما يرام بالنسبة لهذا الذكاء الاصطناعي، ولكن في أوائل القرن العشرين، ومع استمرار تطور التكنولوجيا البشرية، حذر ألدوس هكسلي في كتابه "عالم جديد شجاع" من أن البشر قد يدخلون عالمًا نخلق فيه وحوشًا أو بشرًا خارقين مع تطور التكنولوجيا الوراثية.
إن الذكاء الاصطناعي في النهاية صُمم وصُنع من قِبل الإنسان، ويعمل وفقًا لخوارزميته. ولا يستطيع التعاطف أو التمييز بين الخير والشر، وقد يرتكب أخطاءً في مهامه.
الذكاء الاصطناعي موجود ليبقى في عالمنا، وعلينا السعي لتطبيق أخلاقياته الحيوية القائمة على إفادة الإنسان والكون المحيط به وإعلاء القيم، والوضوح، والمساءلة. ولأن الذكاء الاصطناعي بلا روح، يجب أن تكون أخلاقياته الحيوية متعالية لسد عجزه عن التعاطف.
|