|
القاهرة 10 يوليو 2025 الساعة 02:13 م

بقلم: د. هويدا صالح
يلعب الدين دوراً محورياً ورئيسياً في تشكيل الحياة الاجتماعية؛ لذا كان موضوعاً مركزياً في الدراسات الاجتماعية منذ بدايتها، بل بالإمكان القول: إن الدراسات الاجتماعية جاءت بديلاً في تفسير جوانب من الحياة الاجتماعية، كبديل غير لاهوتي للتفسيرات التي كان يقدمها رجال الدين. ولقد اعتبر أوغست كونت هذا التحوّل، بوصفه جزءاً من التحولات المحورية في تاريخ الإنسان في مفهومه الوضعي للمراحل الثلاث التي مر بها الإنسان؛ من مرحلة الأساطير إلى مرحلة الدين، ثم مرحلة العلم. وفي المرحلة الأخيرة ظهرت العلوم الاجتماعية بوصفها تقدم تفسيرات علمية لما يمر به الإنسان من تحولات وتغيرات، سعى فيها إلى أن يحل تفسيرات تعتمد على عوامل ومتغيرات موضوعية عقلانية لتفسير ما يواجهه المجتمع الإنساني من تحولات بدلاً من التفسيرات اللاهوتية الأخلاقية المعيارية.
ولقد حاول علماء الأنثربولوجيا الكشف عن الجذور الأولى للأديان، وعلاقة الشعوب والمجتمعات البدائية بنشأة الأديان، وهذه هي القضية التي يناقشها كلود ريفيير في كتاب "الأنثربولوجيا الاجتماعية للأديان" الذي صدر حديثا عن المركز القومي للترجمة وقام بترجمته أسامة نبيل.
إن الأديان لا يمكن فهمها إلا عن طريق "المقدّس"، ويرى كثير من الفلاسفة أن فكرة المقدس لم تنتج عن تفكر وتأمل عقلاني بقدر ما هي نتجت عن حدس أو إيحاء نفسي ينم عن قوة غير محسوسة وفوق الطبيعة. إنه شعور بالروع والخشية من تلك القوة المجهولة التي واجهت الإنسان البدائي، ومن ثم فكر في "الدين" لتفسير العالم.
يرى فيلسوف مثل برونسلاف مالونفسكي أن الإنسان بطبيعته يخشى الموت ولا يريد أن يصدق أن موته يعني نهايته إلى الأبد، وهنا تأتي الأديان لتمنح الإنسان الضمانات النفسية بأن حياته سوف تستمر إلى ما لا نهاية في العالم الثاني. وبالتالي تصبح مسألة الخلود هي جوهر الأديان.
ويرى فرويد في كتاب"الطوطم والتابو" أن الدين عبارة عن وهم وخداع. ويعتبر أن الأديان طريقة غير مجدية للتعامل مع مشاكل الحياة. في حين يرى كارل ماركس أن الأديان تؤدي وظيفة مزدوجة: فهي تعوض الفقراء عن فقرهم بوعدهم بالغنى الروحي، بينما تعطي الشرعية اللازمة لطبقة الأغنياء، وبهذه الطريقة فقد ساعدت الأديان على صقل المجتمعات ذات المصالح المتباينة، وفي الوقت نفسه حافظت على مصالح الطبقة المتنفذة.
في حين يرى بعض الفلاسفة وعلى رأسهم ديركايم أنه لا فائدة من البحث عن كيفية نشأة الأديان وإنما المهم أن نرى أن المعتقدات الدينية نشأت في محاولة من الإنسان أن يعيش في مجتمعات كبيرة وغير منتظمة، ومهمة الأديان كانت تنظيم تلك المجتمعات، وبالتالي فإن المهمة الأولى للأديان هي مهمة اجتماعية.
يرى أسامة نبيل في مقدمة الكتاب أنه كلما زادت المواجهة بين الأديان في العالم الحديث، ازداد توجه الأفراد نحو انتقاء ما تعظمه من إشارات مقدسة، ولم يعد السمو الروحاني يرتبط بالسمو الدينى. وتبحث جماعات صغيرة عن الخلاص، من خلال نصوص، وكلمات، وطقوس، وأماكن، وبنايات، وأزمنة، أو حتى أشخاص؛ لتعيد تكوين سمو روحاني أدنى موجه نحو الفرد أو سمو متوسط (تدين دنيوي وشعبي وسياسي)، ذلك السمو الذى يلبي متطلبات روحانية لمعتقدات متعددة تبحث عن المدينة الفاضلة".
حاول كلود ريفيير أن يربط بين مفاهيم مختلفة في مجال علم الإنسان ومواجهتها بعلم الاجتماع الحديث وبالإشكاليات العالمية الكلاسيكية التي تتعلق بعلم الأعراق على وجه الخصوص.
ومن خلال منهجية مقارنة وتاريخية، يستحضر المؤلف علم الأنثروبولوجيا الدينية، والمعتقدات، والأساطير، والأعياد، والطقوس، وممارسات قراءة الطالع والمس. وتكمن أهمية إصدار هذا المرجع من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية في النفع الذي يعود ليس فقط على القارئ العادي، ولكن أيضا على الباحث والمتخصص في علوم: الإنسان والاجتماع والأديان.
إن الأنثربولوجيا، والبحث في أصول الشعوب البدائية وعلاقتها بنشأة الأديان علم حديث من شأنه أن يفتح مدارك الفكر والوعي في ظل استخدام تيارات الإسلام السياسي للدين في فرض الهيمنة السلطوية على المجتمعات، فنحن في أمس الحاجة إلى الاعتراف بالتعددية الثقافية والدينية ولا تجعله يرى الأشياء من منظور واحد أو من ثقافة واحدة. وربما يساعد هذا المرجع على ترسيخ فكرة الحوار بين الثقافات والأديان التي تبحث في الآونة الأخيرة عن دبلوماسية جديدة تدعم التفاهم بين الشعوب.
كلود ريفيير، عالم أنثربولوجي فرنسي له العديد من الإصدارات التي تبحث في علم الإنسان ومن أهمها الأنثربولوجيا الاجتماعية للأديان والأنثربولوجيا السياسية.
أسامة نبيل مترجم صدر له عن المركز القومي للترجمة كتابان، هما: حركة الإصلاح في التراث الإسلامي لشارل سان برو، وكتاب الأنثربولوجيا الاجتماعية للأديان لكلود ريفيير.
رونيسلاف كاسبر مالينوفسكي, أنثربولوجي بريطاني من أصل بولندي، يعد من أهم علماء علم الإنسان التطبيقي، له العديد من المؤلفات في الأنثربولوجيا الاجتماعية منها:"الجريمة والعرف في المجتمع المتوحش» و "الحياة الجنسية عند المتوحشين في ش.غ. ملانيزيا"، و "ديناميات التغير الثقافي".
|