|
القاهرة 10 يوليو 2025 الساعة 02:09 م

قصص قصيرة جدًا
تأليف: صلاح الشهاوي
في سن السابعة والخمسين
قالت لي العرافة: في سن السابعة والخمسين ستصبح أفكارك كأرواح تمشي على هيئة صبر حالم، ووجع شاعر، متى تنام تفيق كل يوم على كابوس لا نهاية له، وكلما داويت جرحاً سال جرح، ويصبح كل أملك أن تعيش يوم عادي بسيط، الحياة فيه كالحياة، والموت كالموت.
في سن السابعة والخمسين ستعود في العيد طفلاً. تفرح مثل طفل، وتحلم مثل طفل، وتخاف مثل طفل، وتشعر بالحزن مثل رجل.
في سن السابعة والخمسين ستتمني أن تغادر قطار الضياع الذي تفرقت طرقاته على دروب الطمع. ولن تطلب القصاص أو تسعي لدرء الظلم.
في سن السابعة والخمسين ستصبح عيناك حزينتن، متعبتين، ترهقتهما ساعات التوقيت الصيفي، ويتضاعف فيهما الإثم وتراكم السيئات، وفي نهاية العام ستصبح اسما في سجل مواليد الكبار، ثم تصبح شجرة كبيرة ذات أغصان.
إلى متى؟
في طريق ذهابي هذه المرة تغيرت الأحوال والأشكال، بحيث ضاعت المعالم، وتاهت الذاكرة، أما في طريق عودتي فكان السؤال الأكبر ليس إلى أين، بل إلى متى؟
هواء الوقت
لا تزال كلماتك «تلكز» في خاصرتي حتى اليوم، فلم أكن أعلم أن المفردات حقلك، ومعانيها ألغامك المزروعة فيه، رغم أنكِ كنت تعلمين أني لست ذئب يوسف البريء، وأن أجزاء من الأحلام تتناثر في عيني، فهل لي أن اخرج من شرفتك لعل هواء الوقت يطير تلك الأحلام؟.
كنز وفكه
كان ذلك خطئي أيها السيدات والسادة، فعلي مدار عقود استمرأت في حياكة قصص بعيدة عن الواقع، وحقيقة الأمر أنها كانت خداع للذات قبل أي شيء، فقد كنت في ذلك مثل صانعي الفخار الذين يضعون يد الجرة في أي مكان يشاؤون ثم يدعون حكمة ما، أما الآن اسمحوا لي أن أحكي وللمرة الأولي نصاً حزيناً مستجيراً ومستكيناً على هيئة سؤال وجوبي لكم: أيها السيدات والسادة ما الذي يتحقق عندما يكون لديكم كنزٌ فتقررا أن تصرفوه إلى فكه؟
صفير ذو معني
تأمل فراغ الغرفة ثم أغلق المذياع فالأخبار تافهة ومكررة، ورغم أن العادات القديمة يصعب كسرها، شاء له ذوقه أن لا يغرق كما أريد له بمكررات الخمول العقلي، فصفر صفيرًا ذا معني ثم ذهب للنوم.
من جديد
الساعات البطيئة التي مرت من دون طائل، فبلا هدف لا مكان محتمل أبداً، أعود للمقهى نفسه، وفي العمق بين المناضد تتملكني أحاسيس ممزقه، أنظر حولي الجميع يلبس أقنعه، الكارثة قادمة، ولكي أنجو من غرق مقبل، علىَّ ترك المقهى والعودة للبيت ولأقم بتنظيف عام وأرمي كل الأشياء القديمة التي لا نفع لها. ولأبدأ من جديد.
ضجيج
استعاد شجاعته، وعاد يعزف على نايه، يعلم أنه يحارب في موقعة خاسرة، فهو لا يملك في وسط هذا الصخب إلاَّ الريح في فمه والناي في يده، وهم يملكون أبواق سياراتهم التي تملأ الساحة ضجيجًا، لم يترك له هذا الصخب سبيلا في الاستمرار، ظل يقاوم حيناً وحيناً يستسلم، اصفر وجهه لما دارت في خلده فكرة الهروب، جلس على الأرض وضع وجهه بين يديه، بكي كالأطفال.
تَغير
أثناء ذهابي إلي العمل صباحاً وعلي مدار ثلاث سنوات أقابلها في نفس المكان والوقت، أومئ إليها برأسي في إشارة تكفي لإبراز الاهتمام والإعجاب ولكنها تكتفي بالنظر والمرور بجانبي في صمت مع علمها أني أقصدها هي، وبعد مرور ثلاث سنوات لا أعرف كيف تبدل الحال فهي التي أصبحت تومئ إليّ برأسها وأنا أنظر إليها وأمر بجوارها في صمت.
تنفيس
لأول مرة أمد يدي عليه، فقد ناولني ابنته الصغيرة وهو سعيد بأن يحمل صديق عمره أغلي ما عنده في الدنيا إلا أن وجهه تغير عندما تطلعت ابنته فيّ ملياً ثم نزلت بكل عزمها بكف يدها الصغيرة الطرية علي "أم عيني" فما كان مني إلا أن وضعتها جانباً ثم نفخت في كف يدي وهويت بها علي "أم عينه" تنفيساً لما أشعر به من ألم!
موقف لا عودة عنه
لن أنكر أبدا، أني راحل، ولا ينبغي لي ذلك فهذا موقف لا عودة عنه، فلست أنا من يقف علي باب قلبك لأشْكُرَ الزَّائرَ، وأُرحّبَ بِالعَابر وأجمَعَ ما تَسَاقَطَ من وُرودِ فِي طَرِيقِ المُحِبّين، فهل فهمتِ؟ أرجو أن يكون جوابكِ: نعم مشددة.
تتبع الأخبار
شغفي بتتبع الأخبار قديم له حكايات حديثها طويل، ومهما قال عن ذلك هواة بث السموم لتحقيق مكسب اجتماعي قد لا يتوافر إلاَّ من خلال أقوالهم التي لا شيء فيها من الخيال والشاعرية، رغم ذلك فسوف تعيش هواية تتبع الأخبار معي مثل جرح مفتوح، وفي النهاية يبقي قول القائل: أخبار الليل يمحوها النهار.
ذكرياتي
وضعت ذكرياتي في نهاية الحافلة وكأنها من ضمن حقائب السفر، هممت أكثر من مرة أن أضع نقطة في آخر السطر ولكني لم أفعل، وحين هبطت من الحافلة ذهبت لاستلام حقائب السفر وكذلك ذكرياتي.
صاحبة العصمة
إصابتي بمرض الغدة الدرقية شَاهدٌ عميقٌ علَى عَبقريتكِ، فوجودك كسفيرة للمرض في حياتي ملأ المشاعر وبث الأكاذيب وموّه الحقائق، وجعلني اذكر أياديك البيضاء بعد أن حذرني الطبيب من أن أبكيك مجددا وأن أعتبرك صاحبة العصمة سفيرة لصاحب الأمر والتمر والرمان والزمان.
|