|
القاهرة 01 يوليو 2025 الساعة 09:52 م

كتب: د. ماهر أحمد سليمان
"الرجل الذي فقد ظله" رواية كتبها الروائي فتحي غانم عام 1961، وتتكون من أربعة أجزاء وحكايات عن انتهازي واحد، كل جزء يرويه أحد شخصيات الرواية، وهم "مبروكة" الخادمة، "سامية" الفنانة الشابة، "ناجى" رئيس التحرير، و"يوسف" الصحفي الشاب، الذي تدور أحداث الرواية عنه، ويدعى "يوسف السويفي"، الذي باع روحه ومبادئه ليرتفع ويصعد ويرتقى على حساب أصدقائه القدامى بعد أن غدر بهم، ضارباً بالقيم والمبادئ عرض الحائط، لتلامس القصة رؤية فتحي غانم عن شخصيات متسلقة سادت الفترة التي سبقت ثورة 23 يوليو.
جاءت أحداث الرواية في غاية القوة والجرأة في الزمن الذي نُشرت فيه، ووسط الظروف التي كانت سائدة في مصر سنة 1962، والذي لا يقل أهمية عن ذلك، أن فتحي غانم استخدم شكلاً فنياً جديداً لتقديم حكايته، عبر وجهات نظر متتابعة لعدد من شخصيات تتناقض فيما بينها من ناحية الموقف والتفسير، وبالتالي فإن ما لدينا هنا حكاية تعتمد على أسلوب سرد غير تقليدي اختاره لها الكاتب.
تدور أحداث الرواية، حول قصة صعود صحفي كبير، وهذا الصعود ينطلق في الرواية من الحضيض إلى القمة، هذا الصحفي يدعى "يوسف"، شاب في أول عمره، ابن لمدرس بائس الحال في مدرسة متواضعة، لكن يحدث للشاب أن يدخل من خلال تدريس أبيه لأحد أبناء عائلة ثرية ذات سلطة ونفوذ، إلى قصر وحياة تلك العائلة ليقع في هوى ابنة العائلة الحسناء، بعد أن ارتبط بصداقة مع ابن العائلة مماثله في العمر، ولأن الطبقية تفرق تماماً بين يوسف والفتاة، لم تكتمل القصة الغرامية، ما يشير إلى أننا لسنا أمام واحدة من روايات الخيال التي تنتهي فيها الأمور نهايات حسنة، بل في عمل واقعي تماماً.
يوسف لا يفلح في تحقيق ما تصبو إليه نفسه، لكن الأمور السيئة لن تقف عند هذا الحد، ففي مقابل فشل حكاية غرامه، يتزوج أبيه المعدم من "مبروكة"، الخادمة الصبية التي كانت تعمل لدى تلك العائلة الثرية، والأدهى من هذا أن مبروكة تنجب ابناً للأب العجوز، رغم تقدمه في السن، ليكون أخاً ليوسف، ويكون أيضاً عاره الذي يحاول دائماً أن يتجنبه ولا يعترف به.
ويترك يوسف بيت أبيه غاضباً محتجاً على الزواج في وقت كان نجمه بدأ يلمع في عالم الصحافة، ومن خلال بيئته الصحفية التي يشعر بأنها تعوّض ما فاته من حياة البؤس، يلتقي يوسف سامية الحسناء التي تحاول أن تشق طريقها في عالم الفن والشهرة، كما يلتقي أيضاً محمد ناجي، الصحفي اللامع الذي يعتبر من رجال السلطة الرابعة الكبار، وإن كان نفوذه يمتد إلى درجات السلطات الثلاث الأخرى، ليرتبط يوسف بهذين الشخصين بشكل أو بآخر ليكونا سلّمه نحو الصعود أكثر وأكثر، محاولاً أن يتناسى عاره الأسري من أبيه إلى الخادمة زوجة أبيه، إلى أخيه الصغير الذي لا يعترف به، غير أن يوسف الذي يتعامل مع واقعه الجديد بكل انتهازية ورعب من ماضيه، لا يفوته خلال تسلقه سلّم المجد والسلطة أن يدمر سامية ومحمد ناجي، حين يجد ذلك ضرورياً لتأمين مصالحه.
ولكن كل هذا سوف ينتهي ذات يوم، حين تتبدل الأمور ويفقد يوسف مكانته ويسقط من فوق القمة، التي كان وصل إليها بانتهازيته وتحطيمه للآخرين وإنكاره ماضيه وتخليه عمن ساعدوه على تجاوز الصعوبات التي واجهته في حياته، كل هذا سوف ينتهي بأن يدفع يوسف غالياً، ثمن صعوده المدوي، سقوطاً مدوياً.
فبعد موت والده، نتفاجأ بأن يوسف يطرد مبروكة وابنها، لتبدأ في التعرف على طريق النضال، حين تنضم إلى مجموعة من شباب المقاومة، ويقومون بطبع وتوزيع منشورات ضد الفساد والظلم، آملة بألا يكون هناك ضحايا جدد مثلها، إلا أن يوسف يقوم بالإبلاغ عن شباب المقاومة الذين يتم القبض عليهم.
وبقيام ثورة يوليو يفقد يوسف مكانته الاجتماعية التي وصل إليها، عندما تتغير الظروف الاجتماعية والسياسية عقب قيام الثورة.
وإذا كانت شخصية يوسف في الرواية قد أجمع الكثير على كونها ترمز لشخصية معينة من أقطاب الصحافة المصرية، فإنها كذلك ترمز إلى كل شخصية انتهازية تضحي بالغالي والنفيس في سبيل صعودها، في كل المجالات وليس الصحافة فحسب، وسرعان ما تكون النهاية سقوطا مدوياً، لنكتشف أن الصعود لم يكن صعودا إلى القمة بل كان صعوداً إلى الهاوية.

|