|
القاهرة 01 يوليو 2025 الساعة 10:01 ص

قصة: دينو بوتزاتي - إيطاليا
ترجمة: شهد هاني
بعد انتظار لا نهاية له، حين بدأ الأمل يتلاشى، عاد جيوفاني إلى البيت. لم تكن الساعة قد بلغت الثانية بعد، وكانت أمه ترتب المائدة بعد تناول الطعام. كان نهارًا غائمًا من أيام مارس، والغربان تحلق عاليًا في السماء. ظهر جيوفاني فجأة على عتبة الدار، فصرخت أمه: "يا إلهي!" وركضت لتعانقه ،وصاح آنا وبيترو، شقيقاه الأصغر منه، من شدة الفرح. كانت هذه هي اللحظة المنتظرة منذ أشهر، اللحظة التي طالما لمعت في أحلام الفجر الجميلة، والتي كان يُفترض أن تعيد السعادة.
لم يكن قادرًا على التفوه بكلمة تقريبًا، وكان يحبس دموعه بشق الأنفس. أنزل سيفه الثقيل على الكرسي، ولا يزال يرتدي قبعة الفرو على رأسه. وفي هذه الأثناء، قالت أمه والدموع في عينيها، وهي تتراجع خطوة إلى الوراء: "دعني أراك، دعني أرى كم أصبحت جميلاً! لكنك شاحب!"
كان شاحبًا حقًا، كما لو كان مرهقًا. خلع قبعته، وتقدم نحو منتصف الغرفة، ثم جلس، كم كان متعبًا! حتى الابتسامة كانت صعبة عليه. قالت أمه: "لكن اخلع معطفك يا بني"، وكانت تنظر إليه وكأنه معجزة، وكأنها تشعر بالخجل منه؛ كم أصبح طويلًا، ووسيمًا، ومهيبًا (رغم أنه شاحب قليلًا .(ثم أعادت: "اخلع معطفك، أعطني إياه، ألا تشعر بالحر؟"
رد فعل غريزي، حاد ومدافع، جعله يشد المعطف على جسده، وكأنه يخشى أن يُنتزع منه.
أجاب بتملص: "لا، لا، دعيني وشأني. أفضل ألا أخلعه، لأن عليّ الخروج بعد قليل".
قالت الأم، وقد غمرها شعور بالوحدة والحزن: يجب عليك الخروج؟ تعود بعد عامين وتريد المغادرة فورًا؟" ثم أضافت: "هل عليك المغادرة الآن؟ ألا تأكل شيئًا؟"
ابتسم الابن بلطف وقال: "لقد أكلت بالفعل يا أمي"، ونظر حوله متأملًا تلك الظلال المحببة لديه، ثم أضاف: "توقفنا في حانة على بُعد كيلومترات قليلة من هنا...".
قالت الأم: "آه، ألم تأتِ وحدك؟ من كان معك؟ رفيقك من الفوج؟ ربما ابن مينا؟"
ردّ: "لا، لا، إنه شخص قابلته في الطريق. إنه ينتظر في الخارج الآن".
سألته الأم بدهشة: "هل هو هناك ينتظر؟ ولماذا لم تدعه يدخل؟ هل تركته في منتصف الطريق؟".
ذهب إلى النافذة، ومن خلال الحديقة، عبر البوابة الخشبية، لمح شخصًا يجول ببطء على الطريق، يلف نفسه بمعطفه بإحكام، ويبعث شعورًا بالكآبة. وفي ذروة فرحها، شعرت الأم بألم مبهم، حاد، وغير مفهوم.
قال الابن بحزم: "من الأفضل ألا يدخل. سيكون الأمر مزعجًا له. إنه شخص مميز".
قالت الأم: "ولكن، على الأقل، كأس من النبيذ؟ هل يمكننا أن نحضر له كأسًا من النبيذ؟"
أجاب: "الأفضل لا، يا أمي. إنه رجل فضولي، وعصبي المزاج".
قالت: "ولكن من هو؟ لماذا اجتمعتما؟ وماذا يريد منك؟"
أجاب ببطء شديد: "في الحقيقة، لا أعرفه. قابلته أثناء الرحلة. وجاء معي إلى هنا".
بدا عليه أنه يفضل تغيير الموضوع، بل ويشعر بالخجل منه، فغيرت الأم الحديث حتى لا تحرجه، لكن البهجة التي كانت تضيء وجهها تلاشت.
قالت: "تخيل فقط، ماريتا عندما تعلم بعودتك هل يمكنك تخيل كم ستفرح؟ هل ستخرج لرؤيتها؟"
كان يبتسم فقط،، تلك الابتسامة التي تعبّر عن شخص يتمنى أن يكون سعيدًا، لكنه لا يستطيع، بسبب سرّ ثقيل.
لم تستطع الأم أن تفهم: لماذا يبدو حزينًا هكذا مثلما كان في يوم رحيله السابق؟ لقد عاد الآن، والحياة أمامه، بلا قلق، بأمسيات جميلة لا تحصى، وبداية الربيع، والزفاف المنتظر في الكنيسة صباح الأحد، وسط الأجراس والزهور. فلماذا هذا الصمت؟ لماذا لا يتحدث عن المعارك؟ ولماذا يتمسك بمعطفه داخل البيت؟ هل ثيابه تحته ممزقة أم ملوثة؟ ولكن أمام أمه، لماذا يشعر بالخجل؟
انحنى وجهه الجميل قليلاً إلى الجانب، وكانت الأم تحدّق فيه بقلق، تحاول أن تفهم رغباته دون أن تعارضه. ترى، هل هو مريض؟ مرهق؟ لماذا لا يتكلم؟ لماذا لا ينظر إليها؟
في الواقع، كان يتجنب النظر إلى أمه، وكأنه يخشى شيئًا ما، وكان الأخوان الصغيران يراقبانه بصمت، بشعور غريب من الخجل.
همست الأم، وقد غلبها الانفعال: "جيوفاني.. أخيرًا أنت هنا! انتظر، سأعد لك القهوة".
أسرعت إلى المطبخ. وبقي جيوفاني مع أخويه، اللذين أصبحا أصغر منه بكثير لدرجة أنهما بالكاد قد يتعرفان عليه في الشارع. تبادلوا نظرات صامتة، تخللتها ابتسامات صغيرة، وكأنها اتفاق قديم لم يُنسَ. عادت الأم بالقهوة الساخنة وقطعة من الكعك، شرب القهوة دفعة واحدة، ومضغ الكعكة بصعوبة.
أرادت أن تسأله: "لماذا؟ ألم تعد تعجبك؟ كانت حلوتك المفضلة من قبل!" لكنها التزمت الصمت، حتى لا تزعجه".
ثم قالت: "جيوفاني، ألا تريد أن ترى غرفتك؟ هناك سرير جديد، وطلاء جديد على الجدران، ومصباح جديد. تعال وانظر... ولكن المعطف، ألا تخلعه؟ ألا تشعر بالحر؟"
لم يجب، بل نهض ببطء، كما لو لم يكن شابًا في العشرينات سبقتْه الأم لتفتح باب الغرفة على مصراعيه، لكن الضوء الرمادي الذي دخل كان باهتًا وكئيبًا.
قال، وهو واقف على عتبة الغرفة: "كم هو رائع!" ونظر إلى الأثاث الجديد، والستائر النظيفة، والجدران البيضاء. لكن حين انحنت الأم لترتب مفرش السرير، نظر إلى كتفيها الضعيفين بنظرة حزن عميقة لا يمكن وصفها. كان آنا وبيترو خلفه، يلمع الفرح في عيونهما، ينتظران لحظة الفرح الكبرى.
لكن لا شيء حدث، قال فقط: "كم هو جميل شكرًا يا أمي. كانت عيناه قلقتين، كمن يريد إنهاء حديث مؤلم، وكان بين الحين والآخر يحدق من النافذة إلى البوابة الخضراء، حيث لا يزال أحدهم يتجول.
سألته الأم، وقد نفد صبرها: "هل أنت سعيد يا جيوفاني؟ هل أنت سعيد؟".
قال: "أوه، نعم، إنه جميل حقًا"، واستمر في الابتسام بجهد.
قالت بتوسل: "ما بك؟ ما بك يا جيوفاني؟ تخفي عني شيئًا، أليس كذلك؟"
عضّ على شفته، وكأن شيئًا يخنق حلقه، ثم قال بعد صمت، بصوت متقطع: "أمي، يجب أن أذهب الآن".
قالت الأم: "يجب أن تذهب؟ لكنك ستعود فورًا، أليس كذلك؟ ستذهب إلى ماريتا؟ أخبرني، هل ستراها؟" كانت تحاول أن تمزح، لكنها كانت حزينة.
رد بنبرة خافتة: "لا أعرف يا أمي".
اقترب من الباب، واستعاد قبعته المصنوعة من الفرو، وقال: "لا أعرف. لكن يجب أن أذهب. هناك من ينتظرني".
قالت الأم: "لكن ستعود لاحقًا، أليس كذلك؟ سأدعو عمك جوليو وعمتك، ستكون حفلة أيضًا بالنسبة لهما، حاول أن تعود قبل الغداء..."
قال: "أمي..." وكأنه يتوسل إليها أن تتوقف، من أجل الرحمة والمحبة، حتى لا تزيد ألمه. "يجب أن أذهب الآن. لقد انتظرني بما يكفي".ثم نظر إليها نظرة عميقة.
اقترب من الباب، وكان أخواه لا يزالان حوله، فرحين. رفع بيترو طرف معطفه، ليرى ما يرتديه أخوه من تحته.
صرخت الأم، خائفة من أن يغضب: "بيترو! ماذا تفعل؟ دعه وشأنه!"
صرخ الجندي أيضًا: "لا، لا! وهو يلاحظ ما فعله الصبي. ولكن كان الوقت قد فات. فقد انفك طرفا القماش الأزرق للحظة.
قالت الأم، بصوت مرتجف: "آه يا جيوفاني، يا ولدي، ماذا فعلوا بك؟ وضعت يدها على وجهها. يا جيوفاني... هذا دم!"
قال بثبات يائس: "يجب أن أذهب يا أمي. لقد جعلته ينتظر كثيرًا. وداعًا يا آنا، وداعًا يا بيترو، إلى اللقاء يا أمي".
كان بالفعل عند الباب، خرج وكأن الرياح تحمله عبر الحديقة راكضًا، وفتح البوابة وانطلق حصانان يعدوان، تحت السماء المغيمة، لا نحو القرية، بل عبر المروج، نحو الشمال، نحو الجبال. كان الحصانان يركضان، ويركضان.
حينها، فهمت الأم أخيرًا. فراغٌ شاسع لا يمكن أن يملأه شيء، انفتح في قلبها، فهمت سر المعطف، وحزن الابن، وعرفت أخيرًا من هو ذلك الغريب الذي كان ينتظر، ويمشي هناك، في الخارج، كان صبورًا، وشريرًا، ورفيقًا رحيمًا، جاء ليعيد جيوفاني إلى داره، قبل أن يأخذه بعيدًا إلى الأبد، لقد انتظره دقائق عند البوابة، واقفًا، كما لو كان متسولًا جائعًا، لكنه في الحقيقة كان سيد العالم.
|